كيف تكتب أكثر- باول سيلڤيا (2007)



فكرة قراءة المقالات الأكاديمية بحد ذاتها تكفي لتشعرني بالملل، فما بالك بكتابتها أو القراءة عنها بدلًا من لها؟ ولكن مكرهٌ أخاك لا بطل…

هناك العديد من الكتب التي تتحدث عن الكتابة الأكاديمية ولكني أخترت أن أبدا مع هذا الكتاب لسبب بسيط وهو أن كاتبه يحمل شهادة دكتوراة في علم النفس ولذلك أعتقدت أن نظرته للموضوع ستكون نوعًا ما أكثر شمولية بسبب مجاله. بعد قراءتي للكتاب أستطيع القول بأن إعتقادي كان في محله، الكتاب كان جدًا مفيد وأعتقد أنه خيار جيد كمدخل للكتابة الأكاديمية.

بول سيلڤيا أستاذ علم النفس في جامعة ولاية كارولاينا الشمالية حاول في كتابه هذا أن يتكلم لا عن كيفية الكتابة نفسها بل عن طقوسها و عقليات ممارسيها، لن تجد هنا خطوات تفصيلية عن الكتابة الأكاديمية ولكنك ستجد مواضيع عامة تتخذ من الكتابة الأكاديمية محورًا لها و هدفها الأساسي هو تسليط الضوء على عقلية الممارس التي تلعب أهم دور في تحديد نجاح أي عمل سواء كان كتابة أو غيره.
وهذا الأسلوب هو ما جعل هضم كتاب مثل هذا أكثر سهولة لأن النصائح الموجودة فيه يمكن أن تطبقها على أي موضوع حياتي أخر لا علاقة له بالكتابة ولهذا السبب وجد الكتاب إقبالاً كبيرًا من عامة الناس.

سيلڤيا تطرق لمواضيع عديدة وجميعها كان يتمحور حول فكرة رئيسية واحدة: لتكتب أكثر يجب أن تعامل نشاط الكتابة والوقت المخصص له كما تعامل دوامك أو كلاساتك، أي تعتبره مكان تذهب إليه بشكل أسبوعي..فالفكرة على قولته كلها تكمن في فعل واحد وهو showing up

هو يعتقد ان المواظبة على الشيء يحوله لعادة ومن ثم لروتين ومن ثم لشيء طبيعي نمارسه دون أن نفكر به وهذا بدوره يجعلنا نتغلب على أعذار من على شاكلة "ما عندي وقت، أو أني أفتقد للقطعة الالكترونية المناسبة للبدء" أو عذر الراحة والتسويف والهم والتفكير وغيرها الكثير من الجمل المصطنعة و المعتادة التي نتعذر بها. بمعنى أخر، تحويل اي نشاط معين ترغب بممارسته لروتين يومي سيقضي على أي عذر ممكن أن تأتي به نفسك المخادعة وهذا ما يجعل روتينك ونوعيته أهم ما في حياتك. 

المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران خليل جبران: المجلد العاشر والأخير.

 

المكان:غرفتي العزيزة,عُمان


وصلت أخيرًا للمجلد العاشر والأخير من أعمال جبران وبه تنتهي رحلتي الطويلة معه والتي أمتدت على مدار ألف صفحة وأكثر كانت موزعة بين 17 عملاً مختلفًا.

أعمال جبران كانت بمثابة الملجأ الذي أعود اليه كلما تعبت من القراءة، معه أستطيع ان اقرأ مئات الصفحات دون أن أشعر بثقلها أو وقعها، أحرفه خفيفة على النفس وأعد قراءتها نوعًا من الراحة والفسحة التي لا أجدها في العديد من الكتب الأخرى.
ولكن لا يمكن أن أختم كلامي عن جبران دون الرجوع لنقطة سبق وذكرتها في مراجعات سابقة عديدة….
أدب جبران العربي بالنسبة لي لا يقارن أبدًا بأدبه الإنجليزي، جبران بالعربية لا يكتب بل يعزف وتشعر مع أحرفه بأنك أمام نص حي له صوتٌ عذبٌ يُسمع، بعكس أدبه المترجم الذي يفتقد ذلك الصوت و تشعر معه أنك أمام نصٍ جامد لا روح له ولو كان الأمر بيدي لأجبرت جبران على الكتابة بالعربية دائمًا لأنه ببساطة كان واحدًا من القلة القليلة القادرين على تطويعها و إخراج سحرها الكامن.

أما عن المجلد الأخير نفسه فيحتوي على عملان.
الأول كان "رمل و زبد" والذي وجدت أنه أفضل أعمال جبران المترجمة حتى أنني لوهلة ظننت أن جبران كتبه بالعربية لا الإنجليزية، العمل عبارة عن شذرات نثرية قصيرة جدًا يتكلم جبران فيها مرة أخرى عن نظرته للحياة وفلسفته فيها.
العمل الثاني كان عنوانه "آلهة الأرض" وهو عمل صدر عام 1931 في نفس السنة التي توفي فيها جبران. العمل يركز كثيرًا على الروحانية و مواضيعها المختلفة وعلاقتها بالبشر والآثار المترتبة والناتجة منها وعليها.

الختام هذه المرة سأتركه لجبران نفسه:
"بين جانِحَي كلِّ رجُل وكلِّ امرأةٍ قليلٌ من الرمل وقليلٌ من الزبد. ولكن بعضَنا يُبيِّن ما بين جانحَيه وبعضَنا يخجل. أمّا أنا فَلم أخجل. فَاعذُروني وسامِحوني."
‏-جبران خليل جبران
‏-نيويورك في كانون الأوّل 1926

الطريق السريع الفخور:ملحمة رجل جنوبي بائس(1955-1967)-المجلد الأول من سلسلة رسائل الخوف والبغض:هنتر تومسون

 

المكان: مكتبتي العزيزة,عُمان




إذا كان وقتك ضيق فتجاهل كل ما كتبت هنا و أذهب لقراءة الرسالة التي كتبها كاتبنا لهذا اليوم.

https://fs.blog/2014/05/hunter-s-thom...

في هذه الرسالة كنز لن تجده في أحرفي البائسة و منها بدأ كل شيء..
بدأت هالكتاب في ٢٠١٩، وقتها كنت شخص مختلف في قارة مختلفة، العالم بأكمله كان مختلف(حط ألفاظ نابية على ذائقتك لكوڤيد). ٢٠١٩ اليوم تبدو للناظر لها وكأنها سنة من حقبة زمنية مختلفة بسبب اللي ما يتسماش 🦠
عمومًا، لأن رحلتي مع هنتر تومسون كانت أطول رحلة قطعتها مع أي كاتب، قررت أبدأ هذه المراجعة بذكر الصدفة التي عرفتني
عليه…

في أكتوبر من عام ٢٠١٩ كنت في رحلة ميدانية لمدينة فونتانا، مدينة تبعد ساعة وشوي عن لوس انجلوس ولا أحد يدري عنها الا سكانها، كنا في مستودع مخلفات و البروفيسور كان يتحدث فيه عن تاريخ المدينة، اثناء كلامه قال التالي:
“Mike davis once called Fontana the junkyard of dreams.”
‎فقلت أنا
oh it’s a junkyard all right
فرد علي وقال فيما معناه أنه حتى ساحة النفايات هذه كانت مكان ميلاد للعديد من الأشياء التي قد تثير الاهتمام فقلت له name one فقال أبحث عن "ملائكة الجحيم".
وذهبت ذلك اليوم وفعلًا بحثت، و أكتشفت أن ملائكة الجحيم عبارة عن عصابة يتنقل أعضائها بواسطة دراجة هارلي النارية و أثناء بحثي عنهم ظهر لي أسم "هنتر تومسون" الصحفي الذي كتب كتابًا عن العصابة معلنًا معه عن ميلاد أسلوب ومذهب وصنف كتابي جديد في مجال الصحافة أسمه "غونزو".
كل هذه المعلومات ما شدتني أبدًا و لم تكن كافية حتى تحفزني على القراءة لا عن العصابة ولا حتى عن هنتر نفسه، لكن كل هذا تغير عندما عثرت على رسالة هنتر لصديقه هيوم(الرسالة التي وضعتها في أعلى هذه المراجعة) رسالته تلك كانت ولا زالت أفضل رسالة قرأتها بحياتي ولما عرفت أن هنتر كان عمره ٢٢ وقت كتابته لها، على طول ذهبت لأمازون وطلبت الكتاب هذا والباقي is history

رسائل هنتر هذه جميعها كُتبت في النصف الأول من حياته أي فالفترة التي كان فيها مجهولًا لا أحد يعرفه وفيها تكتشف أن هذا الرجل عاقل بين المجنانين ومجنون بين العاقلين، هنتر واحد من الشخصيات النادرة جدًا التي تتخذ من مقولة tempting fate أسلوب حياة وشخصيًا أعتقد أنه
‏ the ultimate fate tempter
شخصيات مثل هنتر تجذبك لأنك تحس أنها فعلًا مستقلة و مختلفة عن كل ما صادفته أو قرأت عنه قبلها لأن مثل هذه الشخصيات حرفيًا ما تخاف و مستعدة تموت في سبيل هواية أو حلم أو رغبةٍ ما
في هذا الكتاب شفت هنتر ينطرد من مليون سكن لعدم قدرته على دفع الاجارات ورأيته يتحول لهوملس مع وزوجته وابنه في أكثر من مرة ومع ذلك جنون العظمة ما فارقه ولا ثانية حتى عندما وصل لقاع القاع. جنونه هذا جعله يفكر بالذهاب لأمريكا اللاتينية وفعلًا رغم أنه ما يملك شيء عبر المحيطات و تسلل مع قراصنة في رحلة موت كان ممكن ينسجن أو يموت بسببها فقط عشان يوصل لأمريكا الجنوبية. وصل هنتر وكتب من تلك القارة مقالات أغلبها لم يتم نشرها والقليل الذي نُشر كان عائده المادي ضئيلًا جدًا ولا يكفي حاجته.

عاد خائبًا لبلاده وقرر أن ينضم لعصابة ملائكة الجحيم بهدف كتابة تقرير عنهم و ذهب لهم و من البداية أخبرهم أنه صحفي جاء ليكتب عنهم وفعلًا وافقوا وعاش معهم سنة، نهايتها كانت كتاب شهد ولادة صنف كتابي صحفي جديد فيه لا يدعي الصحفي الحياد و الموضوعية بل يكون هو بطل المقالة وقلبها النابض، منه تبدأ الأحداث وتنتهي. طبعًا ما يحتاج أكتب عن نهاية علاقته مع العصابة بالتفصيل لكن خلينا نقول أنها أنتهت بتجمعهم عليه وضربه حتى شارف على الموت وهو ثمن دفعه تومسون بكل سعادة.
بعيدًا عن العصابة، الكتاب به أيضا رسائل فكاهية غاضبة كتبها تومسون-غالبا تحت تأثير المخدرات- للرئيس الأمريكي و مسؤوليه الذين عذبهم بجنونه وتقلباته وأفكاره. أسلوبه الكتابي وفصاحته وسهولة تلاعبه بالكلمات هو ما جعل قراءة الرسائل-التي محتواها غالبا ما يكون عادي بل وممل أحيانا- ممتعة، معه أحسست بأني أسكن أمريكا في ستينات القرن الماضي.
رحلتي مع هنتر تتوقف هنا لكنها لا تنتهي لأني أخطط لقراءة المجلدين الثاني والثالث لرسائله مستقبلًا وحتى ذلك الحين،
أترككم مع تعليق يوتيوب أعتقد أنه يصف تومسون تمامًا.

There is a fine line between genius and crazy. Thompson walked that line about as well as a man in the depths of an ether binge.


المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران خليل جبران: المجلد التاسع

 

المكان:غرفتي الصغيرة,عُمان


عدت لجبران و مجلداته…

المجلد التاسع يبدأ بأحد أشهر أعماله "النبي"
العمل الذي كتبه بالانجليزية وتُرجم لمئات اللغات وبيعت منه ٩ ملايين نسخة إنجليزية ولازال حتى يومنا هذا موجود بين أرفف المكتبات وغرف القُراء رغم مرور قرابة القرن على صدوره.

تشعر وأنت تقرأ النبي بأنك تقرأ رسالة وداع أو وصية ترك فيها جبران خلاصة تجاربه ونظرته و ارائه ففيه يتحدث في نصوص قصيرة عن مختلف مواضيع الحياة من حب و موت وتربية وخير وشر وصداقة وتعليم وعقل وعاطفة وجرائم وعقوبات ومواضيع حياتية وروحانية عديدة لا يسعني ذكرها.. هذا العمل يصلح كمدخل لقراءة جبران ولو كُتب بالعربية لقلت أنه أفضل أعماله.


المجلد  ينتهي بعمل قصير نُشر بعد وفاة جبران بسنتين و عنوانه "حديقة النبي" في هذا العمل الذي لم يقم جبران بتعديله أو تنقيحه نجده يعود مرة أخرى لشخصية المصطفى أو النبي و يضعها في قصة تختلف عن ما شاهدناه في رواية النبي التي ناقش فيها مختلف القضايا الاجتماعية، في "حديقة النبي" تركيز جبران أنتقل من القضايا الاجتماعية الى الإنسان ومعتقداته وعلاقتها مع خالقه.
هذا العمل حقيقةً أجده دون المستوى والسبب يعود ربما لكون جبران لم يكمله أصلًا و تم نشره بعد وفاته معدلًا من قبل طرف ثالث.
عمومًا بهذا العمل أختم المجلد التاسع وبنهايته يتبقى لي المجلد العاشر والأخير الذي معه ستنتهي رحلتي مع جبران للأبد

الجزيرة - ألدوس هكسلي (1962)

 



30 سنة بعد روايته عالم جديد شجاع وسنة قبل وفاته أظهر السيد هكسلي روايته الأخيرة للعالم والتي سماها "جزيرة".
هذا العمل يعتبر نقيض عمله "عالم جديد شجاع" الذي سبقه بثلاثين سنة فبعد أن صور لنا هناك نظرته الدستوبية يعود هكسلي هنا بنظرة معاكسة تمامًا يشرح فيها مكونات مدينته اليوتوبية

في هذا العمل نتبع رحلة الصحفي ويل فارنبي الذي يسقط فجأة في جزيرة تحكمها قوانين وعادات تختلف عما أعتاده هو في العالم الطبيعي.. الجزيرة هي نسخة هكسلي لمدينة أفلاطون الفاضلة و فيها يبني هكسلي نظرته هو عن الحياة السعيدة والمدينة الفاضلة.
في عالم هكسلي المثالي الكثير والكثير من الأمور المختلفة عن عالمنا سأذكر بعضها فقط
وسأبدأ بالتقانة والتكنولوجيا اللذان نجد استخدامهما في جزيرته منحصرًا فقط على مجالات معينة لأنه يعتقد أن الإفراط الزائد والمبالغة في الاعتماد عليهما يصنع منا رجالاً آليين، كذلك نجد أن المادية غير موجودة نهائيًا لأن جزيرته ترفض التحول الصناعي الذي حصل في أوروبا والعالم وقتها والذي وإن كان سببًا في تحسن وتطور حياة الانسان إلا أنه أيضًا -وبحسب اعتقاده- دمر معه كل ما تعنيه وتمثله كلمة روحانية، فبشر تلك المدن دائمًا قلقين مضطربين مكتئبين رغم جودة حياتهم العالية وهو ما لايريد أن يراه هكسلي في مدينته.

لربما أكثر فكرة أعجبتني في جزيرته المثالية تلك هو وجود مئات الطيور الغريبة- واحد منها موجود على الغلاف-التي تحلق فوقها وتردد عبارة واحدة هذه العبارة كانت "إنتبه! إنتبه!" طيور هكسلي تنبه ناس الجزيرة وتحثهم على الانتباه لحاضرهم لأن هكسلي يعتقد أننا كبشر مشكلاتنا دائمًا تنبع من كوننا نعيش إما في الماضي ( الحنين، البكاء على الاطلال) أو المستقبل ( الترقب، الهلع، الخوف) متجاهلين حاضرنا تمامًا رغم أنه أهم ما نملك.
عموما جزيرة هكسلي تمامًا كجمهورية أفلاطون والماركسية وغيرها من الأفكار التي طرحت بهدف خلق مدينة يوتوبية لا تعاسة فيها.. كلها أفكار جميلة و منطقية على الورق لكنها مستحيلة في الواقع لأنها ببساطة تغفل عن جزئية مهمة واحدة وترتكب خطأً فادحًا وهو افتراضها أن الانسان كائن يمكن تنبؤ وتوقع تحركاته وبالتالي يسهل تطويعه لخدمة تلك الأفكار وهذا طبعًا مستحيل لأن البشر وكما يعرف الجميع وكما قال المعلم الكبير فيودور دوستويفسكي "ليسوا مفاتيحًا في بيانو" وما دامهم مش مفاتيح بيانو(أي جمادات) سيبقى الفشل مصير كل تلك الأفكار وهكسلي نفسه يدرك ذلك تمامًا والدليل موجود في نهاية روايته هذه.