الجزيرة - ألدوس هكسلي (1962)

 



30 سنة بعد روايته عالم جديد شجاع وسنة قبل وفاته أظهر السيد هكسلي روايته الأخيرة للعالم والتي سماها "جزيرة".
هذا العمل يعتبر نقيض عمله "عالم جديد شجاع" الذي سبقه بثلاثين سنة فبعد أن صور لنا هناك نظرته الدستوبية يعود هكسلي هنا بنظرة معاكسة تمامًا يشرح فيها مكونات مدينته اليوتوبية

في هذا العمل نتبع رحلة الصحفي ويل فارنبي الذي يسقط فجأة في جزيرة تحكمها قوانين وعادات تختلف عما أعتاده هو في العالم الطبيعي.. الجزيرة هي نسخة هكسلي لمدينة أفلاطون الفاضلة و فيها يبني هكسلي نظرته هو عن الحياة السعيدة والمدينة الفاضلة.
في عالم هكسلي المثالي الكثير والكثير من الأمور المختلفة عن عالمنا سأذكر بعضها فقط
وسأبدأ بالتقانة والتكنولوجيا اللذان نجد استخدامهما في جزيرته منحصرًا فقط على مجالات معينة لأنه يعتقد أن الإفراط الزائد والمبالغة في الاعتماد عليهما يصنع منا رجالاً آليين، كذلك نجد أن المادية غير موجودة نهائيًا لأن جزيرته ترفض التحول الصناعي الذي حصل في أوروبا والعالم وقتها والذي وإن كان سببًا في تحسن وتطور حياة الانسان إلا أنه أيضًا -وبحسب اعتقاده- دمر معه كل ما تعنيه وتمثله كلمة روحانية، فبشر تلك المدن دائمًا قلقين مضطربين مكتئبين رغم جودة حياتهم العالية وهو ما لايريد أن يراه هكسلي في مدينته.

لربما أكثر فكرة أعجبتني في جزيرته المثالية تلك هو وجود مئات الطيور الغريبة- واحد منها موجود على الغلاف-التي تحلق فوقها وتردد عبارة واحدة هذه العبارة كانت "إنتبه! إنتبه!" طيور هكسلي تنبه ناس الجزيرة وتحثهم على الانتباه لحاضرهم لأن هكسلي يعتقد أننا كبشر مشكلاتنا دائمًا تنبع من كوننا نعيش إما في الماضي ( الحنين، البكاء على الاطلال) أو المستقبل ( الترقب، الهلع، الخوف) متجاهلين حاضرنا تمامًا رغم أنه أهم ما نملك.
عموما جزيرة هكسلي تمامًا كجمهورية أفلاطون والماركسية وغيرها من الأفكار التي طرحت بهدف خلق مدينة يوتوبية لا تعاسة فيها.. كلها أفكار جميلة و منطقية على الورق لكنها مستحيلة في الواقع لأنها ببساطة تغفل عن جزئية مهمة واحدة وترتكب خطأً فادحًا وهو افتراضها أن الانسان كائن يمكن تنبؤ وتوقع تحركاته وبالتالي يسهل تطويعه لخدمة تلك الأفكار وهذا طبعًا مستحيل لأن البشر وكما يعرف الجميع وكما قال المعلم الكبير فيودور دوستويفسكي "ليسوا مفاتيحًا في بيانو" وما دامهم مش مفاتيح بيانو(أي جمادات) سيبقى الفشل مصير كل تلك الأفكار وهكسلي نفسه يدرك ذلك تمامًا والدليل موجود في نهاية روايته هذه.

No comments:

Post a Comment