رقص،رقص،رقص- هاروكي موراكامي (1988)

 


فيه روايات معينة دائما تريدها تكون جنبك لما يكون عندك استراحة ولما تكون طالع رحلة ولما يعتريك الملل ولما تتمكن منك وحشة منتصف الليل.
في تلك الأوقات راح تحتاج لأشياء معينة، أشياء تحسها قريبة منك مش عشانها تحف فنية ولا عشان أسطوريتها ولا حتى عشانك تحس أنك تشوف جزء منك فيها لا، بل ببساطة لأنها تلعب دور الصديق والرفيق بطريقة لا يمكن أن يضاهيها فيه أحد.

الكلام أعلاه ينطبق حرفيًا على كل عمل قرأته ل هاروكي موراكامي، فيه شيء غامض يجذبني لكتابات هذا المخلوق.. بساطة كتابته وغموضها في نفس الوقت تجعل من رواياته الرفيق المناسب في الأوقات اللي أشعر فيها بالخواء، وحدها أحرفه تسد تلك الفجوة ولو مؤقتًا.

رقص،رقص،رقص هي الرواية المكملة والجزء الثاني لرواية موراكامي الأولى وفيها هاروكي أطلق أجاثا كريستي التي بداخله لول لأنه أدخل جزئية الغموض لعالمه لتكون محور من محاور قصته الرئيسية.
الرواية تركز على مواضيع و ثيمات عدة منها المحاور المعتادة اللي تلاقيها في كل رواية ل موراكامي مثل الوحدة والفراغ والموت وما تمثله هذه الحياة لنا وغيرها كما أنها تركز على محاور جديدة لم يسبق ل موراكامي التطرق لها كالرأسمالية وجانبها المظلم وقوتها الرهيبة على استعباد البشر كما أنها تضع العلاقات والأواصر الانسانية والروابط التي تقويها وتقتلها في نفس الوقت كمحور أخر تستند عليه القصة.

كل هذه المحاور تجتمع في قصة تختلط فيها البداية بالنهاية والحقيقية بالخيال والحلم بالواقع
ولعل الجملة التي وضعتها في أول هذه المراجعة تمثل حرفيًا شعوري وشعور كل قارىء بعد نهاية هذا العمل لأنك ستجد نفسك تغلق صفحات الكتاب وببالك أسئلة طرحها موراكامي لكنه تركها بلا جواب وكأن تلك الأسئلة هي هدية وداعه لكل شخص قرأ حروفه.
What the hell was that all about indeed



جنتلمان في موسكو - أمور تاولز (2016)

 


"إذ إن ما يهم في الحياة ليس هو أن نتلقى وصلة من التصفيق: ما يهم هو أن نمتلك شجاعة المضي قدما رغم عدم تأكدنا من نيل المديح"

لو كان للقرن العشرين- وهو واحد من أهم القرون في تاريخنا كله-اسمًا أخَّرًا لكان روسيا دون شك.
الأحداث والتحولات اللي صارت لروسيا في ذلك القرن مش طبيعية لدرجةٍ تحير العقل وتجذبه في نفس الوقت، من أسوأ دولة في أوروبا وأكثرهم جهلا وتخلفًا إلى قوة عظمى في كافة المستويات وحتى بعد سقوطها في نهاية القرن لازلت تحتفظ بأشياء كثيرة من تلك الحقبة.. لكن السؤال اللي يطرح نفسه ماذا كان ثمن كل ذلك؟ وهل الثمن المدفوع يساوي النتيجة؟ هذا سؤال أترك جوابه للتاريخ.

روايتنا تتخذ من المكان الذي وصفته أعلاه بيتًا لها وتبدأ من عام 1922 وتنتهي أحداثها عند العام 1954 وفيها نقابل الكونت روستوف اللي يُحكم عليه بالنفي لكن مش خارج وطنه لا بل في بلده لأن “نفي رجل من روسيا، ليس بالعقاب الكافي؛ ففي بلد آخر قد يبدأ حياته من جديد. لكن عندما تَنفي رجلًا داخل بلاده فلا وجود لبداية جديدة.”
منفى الكونت كان فندق المتروبول واحد من أعرق فنادق روسيا وخلال سكنه في الفندق راح يتابع القارئ معه، صفحات التاريخ وهي تتقلب من حربٍ عالمية وقيام الاتحاد السوفيتي والشيوعية وغيرها.

الرواية فيها من كل بستانٍ زهرة فهي ما بس تركز على المواضيع السياسية الفلسفية بل تتعداها وتطغى عاليها لتشمل جوانب حياتية أخرى كطبيعة العلاقات الإنسانية وعلاقة الطفل بوالده والتلميذ بأستاذه وكذلك تطرح تساؤل مهم جدا ألا وهو.. هل نحن مقدر لنا أن ندمر بأيدينا تلك الأشياء التي صنعناها في يومٍ ما؟ هل الدمار هو السبيل الوحيد لمستقبلٍ أفضل من الماضي؟ وهل تمسكنا بالماضي وتلك الذكريات الجميلة التي لطالما كانت مصدر سعادةٍ لنا هو سبب هلاكنا ذاته؟

أسلوب أمور تاولز السردي وطريقة ربطه لمنعطفات القصة وأحداثها أبهرتني حقيقة، مش سهل تغطي فترة زمنية مقدارها 32 سنة وفوقها تختار يمكن أهم 32 سنة فالتاريخ الإنساني وتقدر تحافظ على نسق ورتم الرواية من البداية للنهاية.. هذه الرواية واحدة من أفضل ما قرأت هذه السنة دونك شك لكن وجب التنويه لكل من يفكر يقرأ تحفتي تولستوي، أقرأهم قبل ماتقرأ هالرواية لأن المستر تاولز يحرق احداثهم داخل روايته هذه لول.

أضواء ليلة الجمعة - قرية، فريق وحُلم- بز بيسنجر (1990)


 


دوستويفسكي قال على لسان شخصيته اليوشا كارامازوف
‏"ألا فاعلموا إذ أنه ليس في حياتنا شيء أقوى ولا أطهر ولا أكثر سموًا و أنفع لحياتكم المقبلة من ذكرى طيبة....ورب ذكرى مضيئة واحدة كهذه الذكرى، تكون كافية لخلاصنا ولو لم يبقَ في قلوبنا اي شيء سواها"
ووالله ما مرت علي كلمات أصدق من هذه الكلمات، الذكريات الجميلة هي وقودنا يا ناس والله انهن وقودنا.
فترتي مع الرياضة وشغفي بها انتهى لكن ذكرياتي اللي تمحورت حولها وبسببها باقية معي ماحييت.

هذا الكتاب ضرب وتر حساس بداخلي، كشخص عاش كل طفولته في قرية حتى جوجل ماب مايقدر يلاقيها وكشخص كل ذكريات طفولته حرفيًا كلها تتمحور حول الرياضة (أول كتاب قرأته في حياتي كان رياضي، أول طلعة-أتذكرها- لي مع أبوي كانت لمباراة، أول سالفة أتذكرها مع أبوي كانت عن أيامه لما كان ينتظر مباريات محمد علي كلاي على الراديو بعد صلاة الفجر، أول شيء أتذكره عن التلفزيون كان تسجيل مُعاد لنهائي كأس العالم ٩٤ ودموع باجيو في المكان والمدينة اللي قادني القدر لها بعد عشرين سنة، أجمل ذكريات الدراسة كانت عن المباريات اللي لعبتها وشاهدتها والمناطق اللي زرتها بسبب الرياضة، باختصار الرياضة كانت كل طفولتي)

هذا الكتاب كان كرحلة في شوارع ذكريات الطفولة والمراهقة، لأنه عبارة عن سرد ل أحداث واقعية حدثت في مدينة ماحد درى عنها في تكساس عام ١٩٨٨، سرد يوثق فيه كاتبه كل التفاصيل الاجتماعية والسياسية والرياضية اللي شهدتها تلك المدينة.
تفاصيل ماتمثل شيء للتاريخ، تفاصيل طواها النسيان مع أصحابها، تفاصيل ميتة-كتفاصيل ذكرياتي- الا في ذاكرة من عاشها فقط، تفاصيل لايمكن ان تعني شيء ل اي شخص مايهتم بالرياضة او لايعي أهميتها العظمى في ربط ودعم أي مجتمع خصوصا الصغير منها، الرياضة هي الشيء والوحيد اللي تجتمع فيه الأضداد وهي الشيء الوحيد اللي يربطني بطفولتي ومراهقتي وسأبقى ممتن ماحييت لها ولكل من قابلت وصادفت بسببها.