| المكان: المكتبة العامة لجامعة طوكيو |
بينما أنتظر الترجمة الانجليزية لرواية هاروكي موراكامي الجديدة، تذكرت اني تركت كتاب واحد له عمدًا دون ان اقرأه.. سبب تركي لهذا الكتاب كان لأنه لا يعد عملًا روائيًا بل هو عمل صحفي بحت، لكني عدت اليه لأني لا أملك خيارًا أخر هههه فلا توجد رواية او قصة كتبها هذا الرجل ولم اقرأها لذلك لم يبقى لي الا ان ابحث عن اعماله الغير روائية لتسد جوعي.
بعيدًا عن الهزل، هناك سبب أخر دفعني لقراءة هذا العمل وهو تواجدي الأن في اليابان وارتيادي لنفس الأماكن والقطارات التي وقعت فيها الحوادث التي يغطيها الكتاب، تلك الحوادث تعرف اليوم بـ "عملية الغازات السامة في مترو طوكيو".
في ٢٠ مارس من عام ١٩٩٥ قام عشر اشخاص من طائفة دينية يابانية تدعى 'أوم شينريكيو' باطلاق غاز في خمس قطارات في مترو طوكيو في وقت ذهاب الناس لدوامتهم ليتسببوا بمقتل ١٤ شخص وايذاء اكثر من ١٠٠٠، منهم من تشلل ومنهم من فقد ذاكرته او اصبح طريح الفراش للأبد وغيرهم الكثير. حدث هز اليابان كلها لانها وكما يعلم الجميع من اكثر الدول أمانًا و استقرارًا.
هاروكي موراكامي كان واحد من الاشخاص الذين هزتهم الحادثة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، ليش موراكامي فجأة قرر يكتب عمل صحفي عن حادثة مأساوية تقع خارج نطاق مجاله الأدبي؟ الجواب التفصيلي ستجدوه في كتاب جاي روبن مترجم موراكامي واللي عنوانه "هاروكي موراكامي و موسيقى الكلمات"
(كتبت عنه مراجعة هنا)
بعيدًا عن الهزل، هناك سبب أخر دفعني لقراءة هذا العمل وهو تواجدي الأن في اليابان وارتيادي لنفس الأماكن والقطارات التي وقعت فيها الحوادث التي يغطيها الكتاب، تلك الحوادث تعرف اليوم بـ "عملية الغازات السامة في مترو طوكيو".
في ٢٠ مارس من عام ١٩٩٥ قام عشر اشخاص من طائفة دينية يابانية تدعى 'أوم شينريكيو' باطلاق غاز في خمس قطارات في مترو طوكيو في وقت ذهاب الناس لدوامتهم ليتسببوا بمقتل ١٤ شخص وايذاء اكثر من ١٠٠٠، منهم من تشلل ومنهم من فقد ذاكرته او اصبح طريح الفراش للأبد وغيرهم الكثير. حدث هز اليابان كلها لانها وكما يعلم الجميع من اكثر الدول أمانًا و استقرارًا.
هاروكي موراكامي كان واحد من الاشخاص الذين هزتهم الحادثة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، ليش موراكامي فجأة قرر يكتب عمل صحفي عن حادثة مأساوية تقع خارج نطاق مجاله الأدبي؟ الجواب التفصيلي ستجدوه في كتاب جاي روبن مترجم موراكامي واللي عنوانه "هاروكي موراكامي و موسيقى الكلمات"
(كتبت عنه مراجعة هنا)
لكن باختصار، قبل حدوث الحادثة، موراكامي كان عايش خارج اليابان لقرابة العشر سنوات(حتى يهرب من الشهرة) فكان في ذلك الوقت يتساءل عن دوره ككاتب وإرثه و واجبه ومسؤولياته تجاه مجتمعه الياباني بعد ما أصبح أيقونة أدبية، ليكتشف ان سنينه في الخارج جعلته غريبًا عن بلده الأم لذلك حتى قبل وقوع الحادثة كان بداخله هاجس يقول له انك لازم تكتب شيء عن بلدك وقبل ذلك لازم ترجع له لتفهمه. وقوع هذه الحادثة أكدت هواجيسه وانه فعلًا لا يفقه شيء عن مجتمعه وهو ما دفعه للعودة ومن ثم كتابة كتابين(الترجمة الانجليزية دمجت الكتابين في واحد وحذفت منهما الكثير)ينقلان الحادثة من وجهة نظر الضحايا و الناس التي كانت تنتمي للطائفة الدينية التي نفذ اعضاؤها الهجوم.
هاروكي في الكتاب هذا وكأنه يتقمص دور أحد ابطال رواياته، فهو يسعى خلف حقيقة تجاهلها الاعلام اللي انشغل بالمحاكم والبهرجة المعتادة التي تجلب المشاهدات وتناسى حال الضحايا وحياتهم بعد الحدث وكذلك ماذا عن الناس التي تقف على الجانب الأخر للحدث؟ اعضاء الطائفة الدينية، ما هي قصتهم؟ من هذه المنطلقات خرج لنا بكتابين تم تلخيصهم ودمجهم في هذا الكتاب والذي هو عبارة عن مقابلات شخصية للضحايا و اعضاء الطائفة، يشاركونا فيها منظورهم وتجربتهم الشخصية للحدث.
انا اليوم أستخدم القطارات و أعيش في المدينة ذاتها التي وقعت فيها هذه الحوادث قبل ٢٨ عامًا وفي كل مرة ارتاد المترو افكر طبعًا بالضحايا: بالزوجة الحامل التي فقدت زوجها، بالأخ الذي يعتني بأخته التي فقدت قدراتها العقلية، بالمرأة التي ماتت قبل سنتين بعد ان امضت ٢٥ سنة طريحة الفراش بسبب الحادثة، أفكر بالناس الذين سمعت قصصهم في هذا الكتاب و اتساءل عن وضع حياتهم اليوم…. لكن هناك شيء أكبر من الضحايا يشغل حيز تفكيري ،شيء طرحه موراكامي وذكره غيره وهو نظرتنا نحن الناس لمثل هذه الاحداث المتطرفة التي تكررت كثيرًا عبر التاريخ، أغلبنا لما يقرأ الاحداث التاريخية يتعاطف مع الضحايا ويضع نفسه مكانهم لكن من مِنا يتخيل نفسه مكان الجاني؟ قلة قليلة، لاننا غالبا نعتقد بدواخلنا ونقول التالي 'انا شخص جيد مستحيل ارتكب كارثة كتلك وهذه الطوائف مكونة من ناس مجانين ومختلين عقليًا ولا يشبهوني و الناس العاديين ابدًا"
وهذا تفكير ساذج جدًا لأن أُناس هذه الطوائف الذين ارتكبوا كل هذه الفواحش ليسوا وحوشًا مصنعة في مختبر بل ناس عاديين مثلهم مثلك والوحش الذي يقبع بداخلهم موجود بداخلك الفرق بس ان الظروف ما أخرجته لذلك تهذيبه والتفكر فيه ضرورة قصوى!