ضمير المتكلم المفرد- هاروكي موراكامي (2020)


بعد ثلاث سنوات ها أنا أصل لنهاية رحلتي الأدبية مع هاروكي موراكامي، ١٤ رواية و ٦٢ قصة قصيرة (كلي أمل بأعمال جديدة قادمة) كان الدخول لعالمها أسهل من شرب الماء، عمومًا لست هنا لأتحدث عن انطباعي الشامل عن كل أعماله، هذا موضوع لمراجعة أخرى في وقت لاحق. أنا هنا لأتحدث عن أخر أعماله الأدبية "ضمير المتكلّم المفرد" عمل صدر في عام ٢٠٢٠ و يحتوي على ثمان قصص مختلفة في ظاهرها فقط أما جوهرها فلا يختلف عن أي عمل سابق لهاروكي، بطريقةٍ ما هذا الرجل خلال مسيرته الممتدة لأكثر من ٤٠ سنة أستمر بالكتابة عن المواضيع ذاتها، ومع ذلك استطاع تكوين مجموعة ضخمة من المعجبين، ولهذا يعده كثيرون واحدًا من الأفضل على الإطلاق.

أقدر أختزل الثمان قصص-وكل أعمال هاروكي- في ثلاث مصطلحات: حُب، ماضي(حنين وذكريات) و موت بمعناه الحرفي والمجازي.‏ هذا هو مثلث هاروكي الذي بنى عليه كل قصصه، هو واحد من أولئك المهووسين بالندوب والخدوش التي يتركها الماضي فينا. عمومًا كل هذه القصص تبدأ ببطل لا أسم له-كالعادة-وهو يستعد لأخذنا في رحلة الى ثناياه وماضيه، معها تدخل لعالم هاروكي بكل جنونه وفوضاه.


 

راشومون و ١٧ قصة أخرى - ريونوسكي أكوتاغاوا(1910s-1920s)

 



لما يوافق موراكامي على كتابة مقدمة عنك فهذا يعني أنك تملك قامة لا يستهان بها في مجالك.
ريونوسكي أكوتاغاوا يعد واحد من رواد الأدب الياباني و والد القصة القصيرة فيه،الرجل لازال الى اليوم أشهر من نار على علم في اليابان رغم مسيرته الأدبية القصيرة، ما في شخص قابلته باليابان لايعرفه رغم مرور قرابة القرن على وفاته، الطريف بالموضوع أنه تخرج من الجامعة التي أنتمي لها حاليًا لول.
كتابات وحياة أكوتاغاوا ذكرتني كثيرًا بكتابات فرانز كافكا والمصادفة انهما ولدا وماتا في نفس الفترة، أكوتاغاوا عاش حياته كلها في هلع وقلق ينعكس جليًا في قصصه وكتاباته، هذا الهلع للأسف تمكن منه بالنهاية لأن أكوتاغاوا أنهى حياته بجرعة زائدة في سن ال٣٥.

العمل هذا يحتوي على ١٨ قصة مختلفة، منها ما كتبه أكوتاغاوا في بداياته مثل "في بستان البامبو" وهي قصة رائعة تتحدث وتناقش مفهوم العدالة من جوانب مختلفة، القصة اقتبسها أكيرا كوروساوا لفلم لاقى رواجًا كبيرًا وعنوانه كان راشومون.
النصف الأخير من القصص في هذا الكتاب كُتبت قبل وفاة أكوتاغاوا وبعضها نُشر عمدًا بعد وفاته، قراءة تلك القصص وأنا أعلم نهايته كانت تجربة حزينة لأن الرجل كان يكتب لنفسه بشكل واضح، أحداث قصصه الأخيرة وشخصياتها كانت مستوحاه من حياته لذلك كان من الاستحالة علي قراءتها دون الشعور بأني أقرأ أحرف شخصٍ مودعٍ للدنيا.

أكوتاغاوا عاش ٣٥ سنة فقط، أي أن مسيرته كانت في بدايتها عندما أنتهت لكنه ومع ذلك نجح في تخليد أسمه على هرم الأدب الياباني، و أعتقد أن عنوان مقدمة هاروكي يلخص مسيرته بدقة
"downfall of the chosen”
أو سقوط وإنهيار المُختار… نعم أكوتاغاوا كان المُختار لأنه تتلمذ على يد ناتسومي سوسيكي الذي يعده كثيرون أفضل روائي ياباني على مر العصور أي أنه تعلم من الأفضل والمستقبل بكل إحتمالاته كان أمامه، لكن شياطينه تمكنت منه للأسف قبل ذلك.



3.5/5