بشيبشسب

"إذا كان بمقدور العالم أن يكتب، فسوف يكتب مثل تولستوي."
أحترت كيف ابدأ هذه المراجعة وما وجدت أفضل من الإقتباس اللي كان موجود على مقدمة عمل تولستوي الأخر-الحرب والسلم-.
نعم لو كانت الأرض انسانًا يكتب فأنا أيضا أعتقد أنها ستكتب تمامًا كـ ليو تولستوي وأنا أقول هالكلام مش عشان شاعرية وعظمة أسلوب تولستوي الكتابي والسردي لا أبدًا هناك كتاب كُثر أفضل منه في هذه الناحية لكني أردد تلك المقولة بسبب واقعية سرد وكتابة تولستوي التي تصف ماتراه من أحداث برتابة وملل يشبه رتابة وملل وروتين حياة كل واحد منا..
آنا كارينينا عمل ضخم ومعقد مش بس عشان عدد صفحاته ولا حتى عشان الأربع سنوات التي قضاها تولستوي وهو يكتبه، بل عشان كم المواضيع الثقيلة و المعقدة التي يطرحها تولستوي ويتصارع معها.
هل للحياة معنى؟ وما الحكمة من الموت؟ وما هو الحب بدون قناع الوردية والكلام المعسول؟ وهل الحياة العائلية كما يعرفها المجتمع حياة جيدة؟ ماذا عن سلطة المجتمع ونفاقه؟ حياة المدينة والقرية؟ المرأة وكم التناقضات وازدواجية المعايير التي يفرضها المجتمع عليها مقارنة بالرجل؟ الدين والإله والوجود بشكل عام؟ وغيرها الكثير .
كل هذه الأسئلة طُرحت في هذا العمل و لا أعتقد ان ألف صفحة تكفي حتى تفيها حقها كما أني لا أعتقد أن قراءة واحدة ستكفيني ل استيعابها-هذه مواضيع ما تكفيها حياة كاملة أصلاً لول- لكني سأحاول التحدث عن بعضها في أخر المراجعة حتى أتجنب الحرق على أي أحد يقرأ حروفي هذه.
الشيء اللي أحب أوضحه ل أي قارئ مستقبلي هو أنك اذا كنت تبحث عن عمل ممتع فلن تجده هنا بالعكس، العمل فيه من الملل والرتابة الشيء الكثير وشخصياته كلها عادية والأحداث اللي فيه أيضا عادية، ليش عادية؟ لأنها تصف حياة مجتمع بمشكلاته الاجتماعية والسياسية والفلسفية والنفسية بشكل دقيق.
تخيل حياتك وحاول تحولها لرواية بدون أي زوائد أو إضافات كيف بتكون؟ غالبا عادية ومملة مع بعض الاحداث السعيدة والتعيسة ومابينهما وهذا بالضبط ما ستجده في عمل تولستوي هذا.
العمل فيه أكثر من ١٢ شخصية رئيسية، واحدة منهم تحمل أسم تولستوي الأول وتمثل انعكاسًا لمعتقدات الكاتب الحقيقية كما أنها تعكس أحداث حقيقية عايشها تولستوي في حياته وهو ما يعطي الرواية بُعد أخر من الواقعية..
الطريف ف الأمر ان رواية تولستوي هذه ورواية الأخوة كارامازوف لدوستويفسكي -أفضل عمل أدبي بالتاريخ بتو وأنصحكم تقرأوه- تم نشرهم على نفس المجلة وما يفصل بينهم الا سنتين فقط كما أن مواضيعهما تتداخل مع بعضها البعض لذلك إن كنت راح أحسد الانسان الروسي في القرن التاسع عشر فراح أحسده على هذا الأمر فقط.
تنبيه 🚨 كل حرف سيكتب تحت هالكلام راح يكون *حرق ل
أحداث الرواية*

"كل العائلات السعيدة تتشابه، لكن لكل عائلة تعيسة طريقتها الخاصة في التعاسة."
هذا النص الذي بدأت به الرواية، والنص اللي تم اقتباسه ملايين المرات، نص يوضح لك محور من المحاور التي يرتكز عليها العمل الا وهو الحياة العائلية، تولستوي-ككافكا- يعتبر الزواج وتأسيس أسرة ناجحة هو أسمى عمل ممكن يقوم به أي انسان وأنا أتفق معه تمامًا لذلك تجده يخصص جزء كبير من روايته لدراسة هالجانب بشكل مفصل.
الحب ونظرة المجتمع له هو محور أخر مهم تكلم عنه تولستوي بطريقة رائعة جدًا، بالرواية نشوف كيف آنا عانت بشكل فظيع بس عشانها أرتكبت خطأ واحد في سبيله وشفنا كيف المجتمع كان قاسي جدًا في تعامله معها حتى أوصلها للجنون بالنهاية
لعل أهم ما حاول تولستوي أن يوصله من خلال آنا هو فكرة أننا لو كشفنا عن ما بصدور الناس وعلمنا ما بدواخلهم سنعرف ونفهم ونتعاطف حتى مع تصرفاتهم الخاطئة مهما بدت لنا بشعة لأن تولستوي يعرف أن النفس البشرية أعمق وبكثير من ما نتصور والمشكلة أن جميعنا يعلم ذلك لكنه يتناساه لما يتعلق الموضوع بغيره ويتذكره فقط لما يتعلق الموضوع بنفسه.
الرواية فيها أكثر من ٢٠٠ فصل وكلها بدون عناوين ما عدا فصل واحد هذا الفصل كان عنوانه 'موت'
ليڤين-الشخصية التي تجسد تولستوي فالرواية- كان شاك بكل شيء حوله من وجود و دين و إله وما كان يعرف الا حقيقة واحدة هذه الحقيقة هي الموت اللي كان طاريه يرعبه فنجده طوال الرواية غير مستقر نفسيًا وروحيًا ويسأل نفسه:ما فائدة الحياة دام نهايتها موت؟ ليش أتعب وأشتغل؟ وبقى يتخبط روحيًا هكذا حتى عثر على جوابه في نهاية الرواية
ليڤين وصل تقريبًا ل إجابة مشابهة لتلك التي طُرحت في أعمال دوستويفسكي:
الاجابة كانت كالتالي الحياة معاناة نعم لكن سعينا الدائم للتغلب على هذه المعاناة هو ما يجعل لحياتنا معنىً وقيمة كما أن العقل والعلم والمنطق جميعهم ينهاروا أمام الإيمان ويفشلوا في تفسيره لأن الإيمان شيء أكبر من الكلمات والمادة والمنطق، الإيمان لايمكن أنسنته ولا حتى عقلنته لأنه شيء يعيش داخل الروح و وحدها الروح تعرف طريق الوصول اليه وفقط عندما تدرك ذلك ستصل لمرادك وتتصالح مع حقيقة وجودك