ما بعد الزلزال - هاروكي موراكامي (2000)

 


كنت في مول وصدفة وانا أتجول في المكتبة وجدت هذا الكتاب اللي كنت مخطط أني أبدأ فيه بعد ما أنهي رواية فوكنر التي لازلت أقرأها ولكن أحرف موراكامي كالمغناطيس، مستحيل أكون بالقرب منهم و أتجاهلهم ولذلك أعطيت فوكنر وجمله الطويلة، استراحة حتى التهم محتوى هذا الكتاب.

أما عن الكتاب هذا فهو عبارة عن ٦ قصص قصيرة كتبها هاروكي في عامي ١٩٩٩ و ٢٠٠٠ تخليدًا (وان كان بطريقة غير مباشرة) لذكرى زلزال كوبه عام ١٩٩٥.
كوبه هي مسقط رأس موراكامي، فيها نشأ وعاش أول ١٨ سنة من حياته، وفي وقت حدوث الزلزال موراكامي كان في أمريكا لكن والداه كانا بالمدينة وبيتهم تأثر بالحادثة رغم نجاتهما… في كتاب "هاروكي موراكامي و موسيقى الكلمات" جاي روبن قال أن شيء ما تغير في هاروكي بعد الزلزال وهذه القصص الموجودة في هذا الكتاب خرجت لأنه اراد أن يطلق العنان لمشاعره بالطريقة الوحيدة التي يتقنها وفعلًا في هذه العمل زلزال مدينة كوبه كان عنصرًا ثابتًا في عالم القصص الست ولكنه في نفس الوقت لم يؤثر ولو للحظة على سير حياة الشخصيات لأنه يأتي كحدث عابر لأناسٍ يعيشون في مناطق تبعد أميالاً عن مدينة كوبه ( تمامًا كموراكامي وقت حدوث الحادثة) فتجد الشخصيات تذكر الحادثة ومن ثم تنساها وكأنها لم تكن.
طبعًا باقي عناصر الحبكة الموراكامية في العمل هذا كلها حاضرة، فمواضيع الحنين للماضي والايام الخوالي والحب الضائع والحياة والموت وغيرها كلها موجودة على جنبات وزوايا القصص ولكن مع ذلك تشعر بأن أسلوب هاروكي المعتاد مختلف نوعًا ما والسبب كما قلنا يعود الى أن القصص هذه تمسه شخصيًا.
زالزال كوبه ٩٥ كان نقطة تحول في فكر وأسلوب هاروكي موراكامي فبسببه بدأ يفكر بشكل جدي بالإرث والرسالة اللذان سيتركهما خلفه كعملاق من عمالقة الأدب الياباني والعالمي. المتتبع لأعماله في تلك الفترة الزمنية سيجد أنها أصبحت نقدية أكثر لواقع الحياة اليابانية وتاريخها المعاصر وهو شيء لم يعتده محبيه سابقًا.



العظيم غاتسبي - إف سكوت فيتسجيرالد (1925)


“If history professors in this country had any sense they would tout the book as a capsule cram course in the American Dream. I think it is the most American novel ever written. I remember coming across it in a bookstore in Rio de Janeiro; the title in Portuguese was O Grande Gatsby, and it was a fantastic thing to read it in that weird language and know the futility of the translation. If Fitzgerald had been a Brazilian he’d have had that country dancing to words instead of music.”

-هنتر تومسون في رسالة لمحرره عام ١٩٦٥، و اليوم ما في طالب ثانوية في أمريكا ما درس جاتسبي..

لا، ما راح أكتب عن شهرة العمل وعن كم الكُتاب اللي قالوا عنه أنه أعظم عمل خرج من أمريكا ولا عن الملايين اللي تأثروا فيه ( جون جرين ومقالاته عن الكتاب، هنتر تومسون كان يعيد كتابة الرواية بنفسه حالمًا بملامسة سحر أسلوب فيتسجيرالد الكتابي، هاروكي موراكامي ترجم الرواية لليابانية! ووووو) لأني أعتقد أن فضاء الانترنت مليان بقصص مثل هذه.

أقرأ جاتسبي للمرة الثانية وكأني أقرأه للمرة الأولى، أسلوب فيتسجيرالد الكتابي يوقظ بداخلي شعور جميل مغلف بحزن، أحرفه دائمًا تنجح في بعث شعورٍ ما بداخلي. وشخصيًا أعده أعظم من مسك قلم بتاريخ أمريكا والسبب لا يتعلق بأسلوبه الكتابي في هذه الرواية فقط.

مواضيع الرواية نفسها هي ذاتها المواضيع التي تثير فضولي وتستحوذ على عقلي في أغلب الحيان..
فالرواية تركز مثلًا على لحظية الزمن و موقعنا نحن -وأحلامنا(أو أوهامنا؟) التي نراها وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة تحت فكيه- من الإعراب فيه.
هل الماضي فعلًا يملك جمالًا ورونقًا لا يملكه حاضرنا و مستقبلنا؟ أم أن النظارة التي نراها فيه والتي تتخذ من الحنين عدساتٍ لها تعمينا عن حقيقته؟ ماذا عن الثراء ومطباته وحُفرِه السوداء العميقة التي لا نراها خلف الشاشات؟و لا أنسى الحلم الأمريكي(أيًا كان ما يعنيه) وأخيرًا ألم تفكرًا يومًا بروعة "قدرتنا على التأمل" أو كما أسماها فيتسجيرالد
our capacity for wonder،
ولا أنسى الحُب، ذلك الشيء الذي نطارده ونبحث عنه جميعًا :)
كل هذه المواضيع طرحها فيتسجيرالد في حوالي ٢٠٠ صفحة فقط وباسلوب كتابي موسيقي صداه وايقاعه تراهما عيناك ويشعر بهما قلبك و وجدانك.

تحفة فنية عمرها قرن وأعتقد أنها ستبقى خالدة لقرونٍ أخرى قادمة.