مابعد الظلام - هاروكي موراكامي (2004)

 


ما بعد الظلام هو العمل السابع اللي أقرأه لـ هاروكي موراكامي هذه السنة فقط- ولن يكون الأخير-لذلك ماراح أطول في مراجعتي هذه عنه، لأني كتبت ست مراجعات قبل هذه المراجعة عن أسباب حبي لكتاباته ولا أعتقد أني أملك مايكفي من الفصاحة والبلاغة لوصف أسلوب كتابته للمرة السابعة بدون ما أكرر ما كتبته عنه في المرات الست السابقة لول..
هاروكي هو كاتبي المعاصر المفضل وأعماله ستبقى دائمًا ترافق دربي ولياليّ الموحشة.

بالنسبة لهذه الرواية تحديدًا فهي قصيرة - ٢٠٠ صفحة فقط- ولو جيت بلخصها في جملة راح أقول عنها أنها النسخة الليلية لـ أحلام العصر، وحتى فصول الرواية فهي مرقمة بحسب تسلسلها الزمني فنجد أن الفصل الأول يبدأ عند الساعة 11:56 ليلًا والأخير ينتهي عند الساعة 6:52 صباحًا أي أن الزمن الفعلي للرواية وكل أحداثها مدته تقريبا ست ساعات الا شوي والمكان طبعا طوكيو

مستحيل تلاقي مراجعتين متشابهتين للرواية هذه لأني متأكد أن كل حد يقرأها سيفهمها بشكل مختلف تمامًا- لذلك أسميتها أحلام العصر- وهذا أكثر ما يعجبني في أعمال موراكامي.. الرواية ترتكز على محاور عديدة كحياة المدن الليلية-وناسها السهارى-ومدى اختلافها عن الحياة الصباحية، الأواصر الانسانية الأخوية والعائلية هي محور أخر تم نقاشه، وحتى ثقافة العمل الحديثة في اليابان وأثارها السلبية على الانسان والمجتمع كانت من ضمن المحاور التي أرتكزت عليها القصة.

اذا كنت ما قرأت لموراكامي أي عمل سابق فلا تبدأ بهذا العمل..
الرواية تنتهي فجأة بدون إجابات منطقية للمواضيع التي طرحت وبدون مانعرف مصير شخصياتها
كأن موراكامي قرر يأخذ كل من يقرأ أحرفه هذه في جولة مدتها ست ساعات زمنية خلالها يورينا لمحة بسيطة من حياة أشخاص مانعرف عنهم شيء ولا يربطنا بهم شيء الا هالست ساعات..
ست ساعات فقط ليتحولوا بعدها لسراب أو حلم شاركناه إياهم ومضينا كلٌ في طريقه الخاص، تمامًا كعابري سبيل.

أرخبيل غولاغ، تجربة في التحقيق الأدبي: الجزء الأول-ألكسندر سولجينيتسن (1973)

 


"باسم كل من لم تكفه الحياة أتحدث: وليعذرني جميعهم، إن لم أكن قد رأيت، وتذكرت ، وإن لم أكن قد عرفت عنهم كل شيء"
كُتبت على صدر أول صفحة في الجزء الأول للسلسلة.

تخيل أنك وُلدت في عام 1918 وتكتشف ان أبوك توفى قبل ان تولد وان وطنك خسر الحرب العالمية الأولى وبلادك مات منها ملايين أكثر من ما تقدر تحصيهم وفوقها فيه حرب أهلية وثورة ومجاعة أودت بحياة ملايين أخرين غير الملايين اللي أخذتهم الحرب، كل هذا يحدث وانت عمرك سنة فقط.
لكن بقدرة قادر تنجو لتكتشف ان القدر وسخريته ما انتهوا منك لأنك بعمر الـ21 تجد نفسك قائد جيش في المقدمة تحارب ألمانيا هتلر في الحرب العالمية الثانية ثم في عز الحرب تأتي مخابرات بلدك وتعتقلك رغم أنك في طليعة جيشك تدافع عن وطنك، ليش تعتقلك؟ لأنك أرسلت رسالة خاصة لصاحبك تنتقد فيها حالة جيشك ونقص الدعم له من بلدك وحكومته ورئيسك اللي جالس تدافع عنه.. لتجد نفسك بعمر الـ٢٣ حبيس زنزانة في بلدك اللي كنت تحارب دفاعًا عنها.
وما يجعل الأمر أكثر بؤسًا هو أن موطنك هذا أسمه الاتحاد السوفيتي وقائدك أسمه ستالين
وكأن كل هذا ما يكفي، خلال فترة حبسك يتم الحكم عليك بالسجن ومن ثم النفي الى معسكر من معسكرات السوفيتس وخلال تلك الفترة تُصاب بسرطان وانت حتى ماتدري وكنت قاب قوسين أو ادنى من الموت حالك حال الملايين اللي ماتوا في تلك الفترة.
لكن، القدر لازال ما فرغ منك.. يتم الافراج عنك لأن ستالين مات. بعد تسع سنوات قضيتها من زنزانة لزنزانة ومن معسكر ل أخر، شفت خلالها جحيم لكنه مضاعف مليار مرة- وأنا هنا لا ابالغ-

ورغم كل هذا بعد الإعفاء تقرر تكتب كتاب بالسر هذا الكتاب مبني على إفادات سُجناء عايشتهم خلال تسع سنوات ودراسات وابحاث استغرقتك عشر سنوات تقريبا لتخرج بكتاب من ثلاث اجزاء وعدد صفحاته اكثر من 2000 صفحة، فيها معلومات تفضح فيها الاشتراكية الشيوعية ونظامها القائم على استعباد الناس والتعذيب اللي كلمة وحشي والله العظيم تعتبر مدح وتلميع لحقيقته، لكن! لأن كتابك يفضح نظام لازال وقتها في عز قوته، يتم منعه ومحاولة مصادرته قبل نشره لكنك تنجح بتهريب النص لفرنسا اللي بدورها تنشره لكل العالم، وكنتيجة لذلك يتم سحب جنسيتك ونفيك من بلدك للأبد!
ومن ثم كتابك خارج بلدك يشتهر ويلقى صدى واسع وأحرفه التي تلسع كل من يقرأها كانت كافية لمنحك جائزة نوبل للآداب لكن جائزة نوبل كانت شيء ثانوي مقارنة بالزلزال اللي ضرب الاتحاد السوفيتي وجعله يتقهقر ويجثو على ركُبتيه قبل ان يموت ويفنى أمام عينيك كنتيجة لكلماتك، لتعود لموطنك وتسترد جنسيتك وتموت على أرضه ثم بعد سنة من وفاتك يتم إعتماد كتابك هذا كمنهج يُدرس في كل مدارس روسيا!

كانت هذه قصة الحائز على جائزة نوبل للآداب الكسندر سولجينيتسن وكتابه الذي يعد واحد من أهم كتب القرن العشرين و اللي بنزوله كسر وأسقط الشيوعية واتحادها السوڤيتي وممثليها من ماركسيين
واللي أعتبر قراءته شبيهة بالنزول لعمق الجحيم وكل حرف فيه عبارة عن صرخة تهز وتلسع وجدانك وأنا هنا لا أبالغ أبدًا.

الحقيقة انه عندي كلام كثير ودي أقوله عن الكتاب لكن راح أكتفي بهذه المقدمة وبعد ما انتهي من الجزء الثاني والثالث راح أسجل بودكاست عن الثلاثية كاملة، لأن كتاب مثل هذا ماتكفيه مراجعة كتابية..
ملاحظة: توجد نسخة مختصرة -٥٠٠صفحة- للثلاث أجزاء بالعربية والانجليزية لكن الثلاثية كاملة بصفحاتها الالفين غير موجودة بالعربية

ولمن يتسائل عن معنى العنوان الغريب، فهنا توضيح من المترجم.


خرائط المعنى: بنية/هندسة المعتقد- جوردان بيترسون (1999)

 


This one was tough to wrestle with.

كيف أكتب مراجعة لكتاب حجمه ضعف حجم الكتاب الطبيعي وأستغرق صاحبه 16 سنة حتى يكتبه؟ وفيه أستخدم أكثر من ٣٠٠ مصدر ل أشخاص مثل نيتشه وفرويد وكارل يونغ ودوستويفسكي وشكسبير وسولجنيتسن وجان بياجيه و دانتي و هوكينج و ڤولتير وغيرهم الكثير. ما أعتقد أني أقدر أراجع كتاب بهذه الضخامة لكن بحاول

القرن العشرين، قرن حير عقل كل شخص حاول يدرسه ويتتبعه، فهو القرن الذي ماتت فيه المعتقدات والأخلاق وهو القرن الذي شهد طفرة فالعلوم التجريبية وهو القرن الذي شهد أبشع حربين فالتاريخ وهو القرن اللي كان ممكن ينتهي بحرب ثالثة نووية كانت لتكون أبشع وبكثير من سابقتيها لولا لطف الله بنا.
في وسط كل هذه المعمعة وفي الوقت اللي كان القرن العشرين يستعد للرحيل- تحديدًا عام 1985- بخيره وشره وجد جوردان بيترسون -البالغ من العمر وقتها 23 سنة-نفسه محتار كغيره لدرجة الجنون.. فأي عقل يمكن أن يفسر ما حدث وما كان سيحدث؟ لا الدين والا السياسة ولا أي مجال أخر يستطيع تفسير ما حدث في ذلك القرن ومع ذلك جوردان بيترسون كغيره من المفكرين قرر يبدأ رحلة كتابته لهذا الكتاب متمنيًا العثور على تفسير يرضيه ويرضي كل من يقرأ له.
جوردان بيترسون كان عالم نفس وبروفيسور في جامعة هارفارد وبعدها تورنتو وفي كتابه طرح عدة أسئلة معقدة وحاول إجابتها، بعض هالأسئلة كان يرتكز على المحاور التالية:
ليش حنا كبشر في صراع دائم مع معتقداتنا ومعتقدات غيرنا الفكرية والدينية؟ وليش هالصراعات غالبا تقود لحروب بشعة؟ وهل الدين والعلم خطان متوازيان فعلًا؟ وما هو الحد الأقصى للخير والشر في النفس البشرية؟

جوردان عشان يجاوب على هالأسئلة المعقدة اللي لا إجابة لها إتبع طريقة مثيرة للاهتمام ولا أعتقد أن فيه أحد من المعاصرين أستخدمها.
الطبيعي هو أن كل شخص يرغب بتحليل هذه الأسئلة عليه أولا أن يرجع لبداية التاريخ ويرجع لبداية مش أي تاريخ بل تاريخ الأفكار والمعتقدات ذاتها وهذه مهمة معقدة وصعبة جدًا لكن جوردان قال أن فيه عامل مشترك ساعده على الرجوع لنقطة البداية، عامل مشترك بين تاريخ كل الثقافات اللي عاشت على سطح هذه الأرض، هذا العامل هو الميثولوجيا أو الأساطير.
الأساطير هي قصص عمرها مثل عمر التاريخ نفسه تداولها الناس ولازالوا يتداولوها حتى يومنا هذا..
هذا القصص ورغم أنها تأتي من ثقافات مختلفة، لاحظ جوردان أن كلها لما تحللها ستجد أنها تمتلك طبقات ورمزيات عميقة لايمكن للإنسان البدائي أن يأتي بها الا في حالة واحدة هذه الحالة أنه كان 'يعرف' أكثر من ما 'يفهم' ومن هناك أنطلق جوردان بيترسون في رحلته اللي حلل خلالها بداية التاريخ تحت أعين علم النفس حيث شرح تركيب الدماغ وتاريخه اجزاءه بالتفصيل وكيفية تعاطيه مع المعلومات ثم تكلم وحلل الأساطير وما تمثله من وجهة نظر علم النفس ووضح مدى تأثيرها الكبير على أفكارنا الواعية واللاواعية

جوردان يعتقد أن هناك فجوة بين العلوم التجريبية و العلوم الانسانية ويعتقد أيضا أن حلقة الوصل ما بين العلمين هي الأساطير، العلم التجريبي ينظر للأشياء بموضوعية ويجردها من أي قيمة معنوية لكن هالشيء غير موجود في الأساطير ولا في حياتنا العامة، فقيمة الشيء بالنسبة لنا تحدده ظروف محيطة وقيم معنوية نحن أنفسنا نخلقها وهنا تكمن أهمية دراسة الأساطير.
جوردان وقال أننا كائنات ساعات نقوم بأفعال كثيرة قبل ماندركها ونفهمها.. طيب أيش دخل الاساطير ب هالموضوع؟ الأساطير (ميثولوجي) كلمة يونانية في الأصل وتعني "كلمات أو قصة" جوردان قال أن هذه الأساطير عمرها أكبر من الحضارة الأوروبية نفسها بل أن جزء من الحضارة نفسه مبني عليها، ولما جاء يدرسها لاحظ ان هالقصص والأساطير تتبع تركيب بنائي قصصي معقد "narrative” ومتشابه رغم أختلاف المصدر والثقافة والأديان والبلدان التي جاءت منها وهذا شيء غريب فكيف بقصصٍ كُتبت مع بداية التاريخ نفسه أن تكون بهذا التركيب المعقد؟ كيف للإنسان البدائي أن يأتي مثل هذه الأشياء؟ وجودها كما ذكرت أعلاه أكبر دليل على أننا نعرف أكثر مما نفهم وهذه الفكرة دفعت جوردان لتحليلها من الجانب النفساني.

وبعد تحليله لتلك الأشياء بدأ يقارن تحليلاته بما تم كتابته من قبل علماء وفلاسفة وأدباء ذكرت بعضهم في البداية كما أنه تكلم بشكل بسيط عن تاريخ الخيمياء وعن مدى إتصالها بنا وبالاساطير.
جوردان حاول يبحث عن معنى للشيء المعقد اللي نسميه تاريخ، وهذه المحاولة بحد ذاتها مستحيلة لكني أعتقد أن محاولته تستحق الإعجاب والثناء.

هذا الكتاب أكاديمي ويستخدمه جوردان اليوم لتدريس طلابه فالجامعة كما أنه الأساس الذي يبني عليه الكثير من محاضراته وجلساته لذلك ستجده جاف ودسم جدًا وقراءته صعبة لكنها مثرية، جوردان بيترسون موسوعة متحركة وحتى وان اختلفت معه، ستجد أن مواضيعه دائما تحفز عقلك على التفكير وهذا لحاله يكفي بالنسبة لي.