رجالٌ بلا نساء - هاروكي موراكامي (2014)



أعتقد أني وصلت لمرحلة مع موراكامي، فيها كلماتي و تقييماتي له لا إعتبار لها، قد تعتقدون إني أبالغ ولكن الساعات التي لاتعد ولا تحصى التي أمضيتها في بحر ومحيط أعمال هذا الرجل غيرت حتى أسلوبي في الحديث، أسلوب نثره وسرده تركا بصمةً جليةً واضحة في أسلوب حديثي ولهذا كل كلامي عنه غالبًا سيكون مغلف بتلك النزعة المتحيزة التي تكتنفنا في كل مرة نتكلم فيها عن شيء نحبه.
لم أعد أقرأ له وأنا أفكر بما يكتب أو حتى أحاول نقد أحرفه وأفكاره وكلماته، الحقيقة أني لا أعتبر الفعل الذي أقوم به وأنا أمسك أعماله فعل قراءة.. لأن موراكامي هو الكاتب الوحيد الذي أستطيع ان اقرأ له في كل حالاتي، سواء كنت مشغول، فاضي، متضايق، سعيد الخ. أينما كنت ومهما كانت ظروفي المحيطة، أستطيع بكل سهولة تخصيص وقت لعمل من أعماله لأنها ببساطة خفيفة جدًا على نفسي لدرجة أني أشعر انه لا ثقل لها.. باختصار أجد في كلمات هذا الرجل شيء يلامسني ولا أدرك ماهيته لكني أعلم أنه موجود.
لعل ما ينكد على حديثي عنه اليوم هو معرفتي بأنه تبقى لي ٣ أعمال فقط و أختم كل ما نشره من رويات ومقالات وقصص صغيرة.

عمومًا، مجموعة القصص القصيرة الموجودة في هذا العمل يجمعها عامل مشترك واحد، ذُكر في العنوان "رجال بلا نساء"(نفس عنوان مجموعة قصص همينغوي القصيرة بالمناسبة). جميع القصص باختلاف حيثياتها تركز على رجال فقدوا نساءهم بطريقة أو بأخرى و أعتقد أن هذا كل ما يحب أن تعرفه قبل قراءة العمل.
الجدير بالذكر أن قصة من قصص هذا العمل (عنوانها: قُودي سيارتي) تم تحويلها لفلم العام الماضي، والفلم حقق نجاحات كبيرة وتم ترشيحه لأوسكار هذه السنة :)


أبشالوم،أبشالوم! - ويليام فوكنر (1936)

 


لسوء حظي أني لما قررت أبدا في فوكنر أخترت أصعب رواياته وأكثرها تعقيدًا. ما كنت مستعد أبدًا لأسلوبه الماراثوني، وما كنت أعرف أني على وشك دخول عالم تحكمه جُمل طويلة جدًا.
ما في أحد يقدر يكتب جمل بنفس طول جمل فوكنر ومع ذلك يحافظ على رتمها وايقاعها، قلتها في تويتر وانا اقرأ وراح أكررها، ما مر علي أحد يكتب جمل بهذا الطول ومع ذلك يحافظ على نسق وايقاع نثره، فوكنر في هذا المجال يغرد خارج السرب.
واذا كنت تعتقد أني أبالغ فخذه هذه، هذا العمل يحتوي على جملة دخلت موسوعة غينيس عام ٨٣ كأطول جملة في عمل أدبي وقتها، لأنها مكونة من ١٢٨٨ كلمة وتمتد لحوالي الثلاث صفحات!
وهذا ما جعل قراءة العمل معقدة جدًا فكل جملة طويلة تتداخل فيها الاحداث بشكل غير متسلسل زمنيًا وحتى الراوي والشخصيات يتبادلون الأدوار في نفس الجملة دون أي تلميح ينبهك كقارىء على ما حصل. وفي عمل يناقش الماضي والذكريات واثرها على حاضر ومستقبل الشخصيات ، هذا التقلب في زمن القصة يعقد مهمة فهمك لها لأنك ما أن تصل لنهاية الجمل الا وتجد نفسك لا تتذكر بدايتها.

فوكنر بدأ الرواية بفصل افتتاحي فيه كل احداث العمل من البداية الى النهاية وبعدها أستغل باقي الفصول يعمل على بناء وتوضيح السياق الذي يكتنف تلك الأحداث. وهذه برأيي فكرة عبقرية لأنه من خلالها نجح في سرد فكرته عن الماضي ونظرتنا له بطريقة محكمة، كيف؟سؤال جيد.
في الفصل الأول عرّفنا على شخصيته الرئيسية ومصيرها وصفاتها من وجهة نظر احدى زوجاته.
وبعدها في الفصول التي تليها جعلنا نسمع نفس القصة بالضبط ولكن من وجهة نظر شخصيات مختلفة وكل شخصية تحت تأثير عاطفتها وجهلها وعصبيتها وما سمعته من الناس تخرج لنا بمنظور مختلف تمامًا عن الشخصية التي قبلها لتصل للنهاية وتكتشف أن كل ما تعرفه عن بطل العمل مكون من روايات لناس تناقلوها عن ناس أخرين ولا وسيلة لك كقارىء للتأكد من صحتها ولا حتى تبيان خيالها من واقعها.

نحن نعتقد أن الماضي ميت، ولكن فوكنر لا يوافق ذلك فهو يقول أن الماضي لا يموت بل يمتد ليطول الحاضر والمستقبل ولذلك سأختم
بمقولته الشهيرة:

The past is never dead. It's not even past.