الكساندر بوتيبينا كان عالم لغة روسي عاش في القرن التاسع عشر وجُل ابحاثه واهتماماته كانت تتمحور حول اللغة و تاريخها وعلاقتها بالفكر.. هذه المعلومة فاجأتني لأنه وبحسب علمي موضوع اللغة والفكر والحد الفاصل بينهما لم يبدأ بالظهور حتى القرن العشرين مع ڤتغنشتاين، وهذا مادفعني لـ إقتناء الكتاب.
تسلسل وتدرج المواضيع بالكتاب غير منطقي أبدًا وللأسف لايوجد للكتاب أي نسخة انجليزية حتى أتأكد من دقة الترجمة ونسختي العربية تمت ترجمتها إما من الروسية أو الالمانية وفي كل الأحوال وجدت اللغة ثقيلة وغير مفهومة وساعات مبهمة، فالكتاب يبدأ بفصل يبدأ بسرد تاريخ اللغة ومن ثم فجأة يقلب للتحدث عن علم النفس والشعر والنثر وغيرها في مواضع لاتخدم السياق أبدًا.
الحقيقة أن أفضل ما فالكتاب هو عنوانه، اما محتواه فكان نوعًا ما غير منظم. عمومًا بالنسبة لـ بوتيبينا فاللغة اداة وظاهرة غير منعزلة عن ما حولها وهي المكان التي تولد بداخله الفكرة.
موضوع اللغة والفكر وعلاقتهما ببعض معقد كثيرًا ولا أعتقد ان اراء ونظريات بوتيبينا تقدر على استيعاب ثقل ومحتوى الموضوع فهو لم يتطرق أبًدا الى اللغة ودورها كأداة ناقلة للفكرة لا خالقةً لها ولم يستكشف الحدود والاطار التي تصنعه اللغة لتقمع الفكرة والشعور
لكني وكما قلت أعلاه، هو كتب موضوعه هذا في وقت ما كان فيه أحد يناقش هذا الموضوع من ذاته، لذلك بطريقةٍ ما نقدر نقول أنه سبق عصره في طرح الموضوع ولكن تبقى محاولاته خجولة وغير كافية.
الفكر واللغة - ألكساندر بوتيبينا (1862)
رسائل ڤِتغنشتاين (2020)
مدرس أطفال، بُستاني، بواب، مهندس، مخترع، معماري، مساعد صيدلاني، مُسعف، طيار، موسيقي، مصور، نحات، مراقب للطيور، عالم، أستاذ جامعي وأخيرا فيلسوف.. كانت هذه كل الوظائف التي شغلها لودفيغ ڤِتغنشتاين خلال حياته التي أستمرت لمدة ٦٢ سنة، شهد خلالها حربين عالميتين وعايش معهما حوادث انتحار اخوته الثلاثة.
الحقيقة اني غالبا لا أهتم لرسائل المفكرين الا في حالات استثنائية، و ڤِتغنشتاين يعد استثناءً لأني أحسست اني لايمكن أن أفهم كتبه دون معرفة الشخص الذي يقف خلفها، إهتمامي بـ ڤِتغنشتاين نابع من كونه واحد من أشهر فلاسفة القرن العشرين الذين سلطوا الضوء على موضوع اللغة ومحدوديتها وكم المشكلات الناجم من عدم قدرتها على استيعاب وتحويل افكارنا ومشاعرنا لكلمات وأحرف مفهومة، فاللغة اداة من صنعنا نحن وكعادة أي اداة من صنع البشر فهي ناقصة رغم روعتها واعجازها.
محتوى الكتاب بكل صراحة عادي جدًا ولا يتناسب مع حجم وقيمة ڤِتغنشتاين الأدبية والعلمية لكن كمية المعلومات والحواشي التي أضافها المترجم عقيل يوسف تجبرني على تحيته، فالحواشي تكاد تكون أطول من محتوى الكتاب نفسه بل وأفضل حتى! وهذا دليل على اجتهاد واخلاص قلة من المترجمين يحرصون عليه أو حتى يملكونه
رحلتي مع ڤِتغنشتاين ومشكلات اللغة الفلسفية لازلت في بدايتها لذلك ما راح أستبق الأحداث وأطلق أحكام مسبقة عليه او على الموضوع نفسه لكن ما أنا متأكد منه هو أن هذا الرجل مثير للاهتمام رغم ان القراءة له معقدة وصعبة.
سبوتنيك الحبيبة - هاروكي موراكامي (1999)
عدنا مع رواية وعمل أخر للقدير هاروكي موراكامي
سبوتنيك كان أسم الستالايت أو القمر الاصطناعي الذي أطلقه الاتحاد السوڤييتي في اواخر خمسينيات القرن الماضي والذي حمل على متنه أول كائن حي-في التاريخ- للفضاء، هذا الكائن كان كلبة أسمها لايكا والتي ذهبت مع سبوتنيك للفضاء ولم تعد منه قط.
الحقيقة اني لم أستمتع بالعمل كما أستمتعت بأعمال هاروكي الأخرى ولا أعلم هل هذا بسبب ضعف العمل نفسه أم بسبب كثرة قراءتي لهاروكي هذه السنة..
في أحيان كثيرة أحسست أن بطل الرواية مستر K هو مجرد نسخة مشوهة ل أبطال هاروكي الأخرين لكن الفرق أنه أضعف منهم وهذا الشيء جعلني أشعر بأني اقرأ نص مكرر سبق وقرأته ملايين المرات، كما أني لم أجد سببًا يجعلني كقارىء أهتم بمصير البطل أو حتى الأحداث التي وقعت له.
ومع ذلك أكملت العمل معه دون مشاكل لأن كتابات هاروكي كالماء بالنسبة لي، أشربها دون تفكير.
الرواية نقدر نقول عنها typical موراكامي، كل عناصر القصة وأسلوب السرد الموجود في أعماله المشهورة ستجده هنا.. الحب المشروط وسقف المجتمع وتوقعاته والاثار المترتبة على ذلك كالوحدة والعزلة التي يعاني منها كل فرد منا في فترة من فترات حياته، كل هذه الأشياء تجتمع في عالم لايوجد فيه حد فاصل بين الواقع والأحلام والنهاية كالعادة ناقصة وغير مكتملة.
بنهاية هذا العمل سيتبقى لي ثلاثة أعمال فقط وبعدها راح أكون ختمت كل أعمال هاروكي الروائية وهذا الشيء يشعرني بالحزن صراحة لذلك راح أحاول ما أقرأ له مجددًا حتى السنة القادمة.
ختامًا أترككم مع صورة للسيد سبوتنيك والسيدة لايكا.
الوداع الطويل - رايموند تشاندلر (1953)
قبل سنة ونصف كنت كعادتي أقضي ساعة البريك من العمل في المكتبة القريبة مني، وذاك اليوم ماكان ببالي أي عمل معين لذلك ذهبت للعامل أسأله عن ما اذا كان عنده اقتراحات أو توصيات معينه، أول ما سألته قالي بدون تردد "رايموند تشاندلر" فرددت عليه بسؤال وقلت "من هذا؟" انصدم العامل وقالي كيف تعد نفسك قارىء من سكان هذه المنطقة وأنت ما تعرف واحد من أشهر كُتابها؟ لما قلتله أني مش من سكان منطقته وأن القدر قرر يرميني في مدينته لمدة خمس سنوات بس، سامحني بشرط أني اشتري أي رواية لمستر تشاندلر وبعد ما أنهيها أرجع له وأعطيه رأيي فيها وقلت له تم.
لكني وكعادتي أوفيت بنصف وعدي فقط.
أشتريت العمل وما لمسته لمدة سنة ونصف ولما لمسته وأنتهيت، رجعت لبلدي وما في أي طريقة أقدر أوصل فيها رأيي لذلك العامل اللي يبعد عني آلاف الأميال وكانت هذه قصة تعرفي على الكاتب الشهير رايموند تشاندلر.
رايموند تشاندلر يعد واحد من رواد ومعالم الأدب الأمريكي وخصوصا في روايات الغموض والتحقيقات والجريمة، وبطل أعماله المحقق مارلو يعد واحد من أشهر شخصيات أدب التحقيق والغموض.
أسلوبه الكتابي والسردي كان كالموسيقى في أذني، وأحرفه لها وقع خاص مميز لايمكن أنك تحس معها بملل، أقدر أسمي رايموند النسخة الأمريكية ل أجاثا كريستي فاذا كانت هي تملك المحقق بوارو، فـ رايموند يملك مارلو.
اللي أعجبني في شخصية مارلو كان طبقة الواقعية التي كساها به رايموند، فتجد أنه حتى وان كان ذكي الا أن ذكائه بشري ولايتعدى اطار المعقول بعكس المحققين اللي نشوفهم كشارلوك وكونان مثلاً
لعل أكثر ما شدني في الرواية هو أن أحداثها تقع في نفس المدينة التي عشت فيها، رؤية الأحداث وهي تنحل صفحةً بعد الأخرى في الأماكن التي مررت ومشيت فيها مع وصف وأسلوب رايموند الرائع أعاد لي ذكريات كثيرة، ورغم أن ما وصفه رايموند كانت نسخة الخمسينات من المدينة التي عشت فيها الا اني مع ذلك ما حسيت بأي فرق يذكر كما لو أنه يصفها اليوم.
رغم أن الرواية تصنف على أنها غموض وتحقيقات الا أنها لا تركز فقط على الجريمة كمحور ومحرك رئيسي وحيد ل أحداثها، رايموند قدر في نفس الوقت انه يسلط الضوء على مشاكل اجتماعية كثيرة كفساد الشرطة والسياسين ودورهم في تفشي وانتشار العصابات والجرائم المنظمة، كما أنه أنتقد المادية التي كانت تطغى على لوس انجلوس في الخمسينات والانحلال الأسري التي تعاني منه وفتنة المال والثراء الفاحش، مشاكل كلها لازالت موجودة الى يومنا هذا. رايموند سلط الضوء وناقش هذه القضايا بدون نسيان محوره الرئيسي وهذا شيء ما يتقنه الا كاتب فذ ومتمرس.
ما بعث الحزن فيني قليلًا هو معرفتي أن رايموند كتب هذا العمل بالوقت اللي كانت زوجته تحتضر فكنت مع كل كلمة وداعًا يقولها في العمل أتخيل تعاسته وحزنه العظيم على وفاتها الذي جعله يحاول ان يجرم بحق نفسه.
شخصيًا أسلوبه الكتابي لوحده يجعلني أرغب في اقتناء عمل أخر له وسأفعل.
اذا كنت من محبي روايات الغموض والجريمة والتحقيقات فهذا العمل لن يخذلك.

