الوداع الطويل - رايموند تشاندلر (1953)

 

قبل سنة ونصف كنت كعادتي أقضي ساعة البريك من العمل في المكتبة القريبة مني، وذاك اليوم ماكان ببالي أي عمل معين لذلك ذهبت للعامل أسأله عن ما اذا كان عنده اقتراحات أو توصيات معينه، أول ما سألته قالي بدون تردد "رايموند تشاندلر" فرددت عليه بسؤال وقلت "من هذا؟" انصدم العامل وقالي كيف تعد نفسك قارىء من سكان هذه المنطقة وأنت ما تعرف واحد من أشهر كُتابها؟ لما قلتله أني مش من سكان منطقته وأن القدر قرر يرميني في مدينته لمدة خمس سنوات بس، سامحني بشرط أني اشتري أي رواية لمستر تشاندلر وبعد ما أنهيها أرجع له وأعطيه رأيي فيها وقلت له تم.
لكني وكعادتي أوفيت بنصف وعدي فقط.
أشتريت العمل وما لمسته لمدة سنة ونصف ولما لمسته وأنتهيت، رجعت لبلدي وما في أي طريقة أقدر أوصل فيها رأيي لذلك العامل اللي يبعد عني آلاف الأميال وكانت هذه قصة تعرفي على الكاتب الشهير رايموند تشاندلر.

رايموند تشاندلر يعد واحد من رواد ومعالم الأدب الأمريكي وخصوصا في روايات الغموض والتحقيقات والجريمة، وبطل أعماله المحقق مارلو يعد واحد من أشهر شخصيات أدب التحقيق والغموض.
أسلوبه الكتابي والسردي كان كالموسيقى في أذني، وأحرفه لها وقع خاص مميز لايمكن أنك تحس معها بملل، أقدر أسمي رايموند النسخة الأمريكية ل أجاثا كريستي فاذا كانت هي تملك المحقق بوارو، فـ رايموند يملك مارلو.
اللي أعجبني في شخصية مارلو كان طبقة الواقعية التي كساها به رايموند، فتجد أنه حتى وان كان ذكي الا أن ذكائه بشري ولايتعدى اطار المعقول بعكس المحققين اللي نشوفهم كشارلوك وكونان مثلاً

لعل أكثر ما شدني في الرواية هو أن أحداثها تقع في نفس المدينة التي عشت فيها، رؤية الأحداث وهي تنحل صفحةً بعد الأخرى في الأماكن التي مررت ومشيت فيها مع وصف وأسلوب رايموند الرائع أعاد لي ذكريات كثيرة، ورغم أن ما وصفه رايموند كانت نسخة الخمسينات من المدينة التي عشت فيها الا اني مع ذلك ما حسيت بأي فرق يذكر كما لو أنه يصفها اليوم.
رغم أن الرواية تصنف على أنها غموض وتحقيقات الا أنها لا تركز فقط على الجريمة كمحور ومحرك رئيسي وحيد ل أحداثها، رايموند قدر في نفس الوقت انه يسلط الضوء على مشاكل اجتماعية كثيرة كفساد الشرطة والسياسين ودورهم في تفشي وانتشار العصابات والجرائم المنظمة، كما أنه أنتقد المادية التي كانت تطغى على لوس انجلوس في الخمسينات والانحلال الأسري التي تعاني منه وفتنة المال والثراء الفاحش، مشاكل كلها لازالت موجودة الى يومنا هذا. رايموند سلط الضوء وناقش هذه القضايا بدون نسيان محوره الرئيسي وهذا شيء ما يتقنه الا كاتب فذ ومتمرس.
ما بعث الحزن فيني قليلًا هو معرفتي أن رايموند كتب هذا العمل بالوقت اللي كانت زوجته تحتضر فكنت مع كل كلمة وداعًا يقولها في العمل أتخيل تعاسته وحزنه العظيم على وفاتها الذي جعله يحاول ان يجرم بحق نفسه.
شخصيًا أسلوبه الكتابي لوحده يجعلني أرغب في اقتناء عمل أخر له وسأفعل.
اذا كنت من محبي روايات الغموض والجريمة والتحقيقات فهذا العمل لن يخذلك.

No comments:

Post a Comment