كل الضوء الذي لا يمكننا رؤيته - أنثوني دور (2014)

 

المكان:رف مكتبتي,عُمان


-قبل ما أبدأ، سمعت أن نتفلكس راح تحول الرواية لمسلسل واذا حدث هذا فعلًا متأكد أنه سينجح

'كل الضوء الذي لا يمكننا رؤيته' رواية صدرت عام 2014 لكن أحداثها تقع قبل ثمانين سنة، أي في القرن العشرين وتحديدا قبل الحرب العالمية الثانية واثنائها وبعدها، وفيها نتتبع حياة عدة شخصيات منها فتاة فرنسية عمياء وطفل الماني يتيم وفقير.. أجمل ما في العمل بدايته ونهايته، منتصف الأحداث كان عادي جدًا لكن إجمالا أحببت العمل لبساطة وجمال السرد فيه،
its storytelling was engaging and great
الباقي لو تكلمت عنه راح يكون حرق لذلك راح أعدي التفاصيل وأتكلم عن العمل بشكل عام.

حتى وإن كان العمل خيالي، لما يتعلق الموضوع بالقرن العشرين وناسه في أوروبا فوقتها مدى واقعية القصة لايهم أبدًا لأن كل شيء تقع أحداثه في النصف الأول من هذا القرن التعيس، عبارة عن مآساة، نعم مآساة التفكير فيها فقط يشعرني بالحزن والغضب الشديد لأن ضحية هذه المآساة بشر لاحول لهم ولا قوة، صحيح أن ماري وڤرنر وجوتا وفولكهايمر شخصيات خيالية لكني متأكد 100% أن أمثالهم عاشوا في ذلك القرن وذاقوا نفس المصير و حتى من نجا منهم لم يكن أكثر حظًا مِن مَن لم ينجو، الحروب كلها بلا استثناء لافائز فيها، كل أطرافها خاسرون مهما كانت معتقداتهم وأسبابهم، حتى جيش هتلر نفسه متأكد أنه كان فيه مدنيين قاتلوا رغمًا عنهم وقَتلوا وقُتلوا لأنه ببساطة ما كان عندهم أي خيار، هم ضحايا نظام حالهم حال أي ضحية عانت من هتلر أو ستالين أو كل دكتاتور فاسد بأنظمته وشبكاته من الناس أصحاب السلطة والقرار.
ختامًا كل ما يمكنني فعله هو ترديد هذا السؤال من العمل نفسه.
"ماذا فعلت الحرب بالحالمين؟"


الساعة الخامسة والعشرون - ڤيرجيل جيورجيو (1949)

 

المكان: مكتبتي الحبيبة,عُمان


*إذا فيه شيء مهم لازم تعرفه عن هذا العمل فهو هذا
العمل له ترجمتين، نصيحة فاعل غير لاتاخذ نسخة المركز الثافي العربي-مثلي وأقتنِ نسخة دار مسكيلياني*

الساعة الخامسة والعشرين، عمل روائي يتخذ من القرن العشرين أساسًا يستند عليه وكما يعلم الجميع كل عمل واقعي أو خيالي يركز على القرن العشرين لايمكن أن يكون الا مأساويًا، وعملنا هذا لا يعد أستثناءً
القرن العشرين هو القرن الذي سقطت فيه كل المفاهيم والمبادىء والعلوم والمنطق والعقل الذي جسدها الانسان، هو القرن الذي نزلنا فيه لقعر الجحيم، هو القرن اللي لازم كل طالب ثانوية يتخرج وهو يعرف خباياه ويعرف أشياء عنه تتعدى هتلر وستالين! فهتلر وستالين يمثلان سطح ذلك القرن لكن تفاصيله وخباياه كلها تحتهما.

الرواية تخلق عالم شبه خيالي لتصف ما حدث من كوارث ومآسي للإنسان الضعيف الذي لاحول له ولاقوة خلال الحربين العالميتين وخلال القرن العشرين بشكل عام، ولكنها لاتقف عند ذلك الحد بل تتعداه لتتعمق نوعًا ما في تحليل خبايا القرن العشرين (هي خدشت السطح فقط بالحقيقة) بحيث نرى الكاتب يناقش مشاكل عدة طفت للسطح في ذلك الوقت كالتطور التقني الرهيب الذي ادى لظهور ما أسماه الكاتب 'العبد الآلي' وهو المصطلح الذي اطلقه الكاتب على كل إنسان مادي بحت، الإنسان الذي يعتمد فقط على العقل والعلم والمنطق والبيانات ويستند عليها للحكم على البشر فيجردهم من كل قيمة انسانية ويحولهم ل أرقام وممتلكات ويتجاهل عمدًا الأمور العاطفية الروحية التي تشكل نصفنا الأخر.
الشيء الأخر الذي ركز عليه الكاتب كان المواطنون او المطبلين بلغة قرننا الحالي الذين يعبدون كل ما هو في صفهم بشكل أعمى ولا يعرفوا من الإنصاف إلا اسمه.
قلتها سابقًا وسأكررها، المطبلين بكل انواعهم هم آفة كل العصور و أحد معوقات التقدم والتطور والاصلاح والتحسين و كوارث القرن العشرين اللي أغلبنا يجهلها اليوم ما كان سببها هتلر أو ستالين- هم الواجهة فقط- بل ناس عاديين مثلي ومثلك! وبدونهم وبدون تطبيلهم ما كان وصل هتلر ولا ستالين لأي منصب قوة لكن من منا يفهم أو يتعظ؟

ختامًا العمل كان جيد جدًا حقيقة وسرده القصصي ذكرني برواية الخيميائي- مع فارق التفاصيل واختلاف محتوى العملين كليًا طبعا- كما أنه ذكرني برواية المحاكمة لكافكا من خلاله وصفه للمجتمع كقاتل لأفراده.
الشيء المخيف بالموضوع أنك ستعتقد أن ما قرأته في هذا العمل هو أقصى ما يمكن تخيله عن كوارث القرن العشرين لكنه ليس كذلك! إذا تبغى تعرف الجحيم الحقيقي وتشوف القرن العشرين بتفاصيله البشعة فراجع الكتب الثلاثة التي عنوانها أرخبيل غولاغ ل القدير الكسندر سولجنيتسن وراح تكتشف أن كل ما وصف في هذا العمل من مآسي مجرد شرارة من الجحيم الذي كانه القرن العشرين.

رسالة منطقية فلسفية - لودڤيچ ڤتچنشتاين (1921)

 



تخيل أن عمرك ٢٣ سنة وتقرر أنك تكتب رسالة دكتوراة فيها تقول أنك حليت كل مشاكل الفلسفة على مر تاريخها، جنون صح؟ لكن هذا ما فعله لودڤيچ ڤتچنشتاين، اللي كتب ٨٩ صفحة وبعذ تسليمها ترك الفلسفة والعلوم بشكل عام معتقدًا أنه فعلًا حل كل مشاكل العالم الفلسفية.. طبعا هو بنفسه لما كبر تراجع عن أغلب ما كتبه في كتابه هذا(ومن منا ما راح تتغير معتقداته اذا ما أختبر حربين عالميتين؟) وبدأ يكتب كتاب أخر نزل بعد وفاته وفيه تقريبا غير معظم ارائه التي وردت في هذا الكتاب ومع ذلك يبقى كتابه هذا مرجع وعمل ومدخل مفيد لكتابات واحد من أشهر فلاسفة القرن العشرين وأذكاهم
حياة وسيرة ڤتچنشتاين غريبة جدًا ويكفي أن تعرف أنه زامل هتلر في مدرسة داخلية في فترة من الفترات لتعرف مدى غرابتها، لكن الرجل ذكي جدًا وكان في طريقه ليصبح مهندس لكن هوسه الشديد بالمنطق هو ما جعله يتجه للفلسفة.

كتابه هذا وإن كان قصير الا أنه معقد جدًا وملايين اختلفوا في فهمه حتى بيرتراند راسل نفسه قال أنه واجه صعوبة في فهمه، واذا شخص بمقام راسل ما فهمه فكيف بشخص محدود الإمكانيات مثلي لول؟ حتى أفهم وأستوعب بعض ما في الكتاب استعنت بالترجمة العربية وبمصادر خارجية وحتى معهم أكذب لو قلت لكم أني فهمت مغزى الكتاب كامل ومع ذلك راح أتكلم عن ما فهمته.

ڤتچنشتاين كان مهوس بالمنطق وأسسه وفي هذا الكتاب حاول أنه يوضح أن منطقنا الانساني مضروب ومليء بالعيوب وأكبر دليل على ذلك هو مشاكلنا اللي أغلبها ينبع من عدم قدرتنا على فهم بعض.
أول عيوب المنطق بحسب كلامه نشوفه في نفسه وفي اللغة، لذلك في هالكتاب ڤتچنشتاين شرح ماهية المنطق وماهي أسسه وكيف نقدر نوظف لغتنا لخدمته، وكأنه بإختصار كان يحاول يخلق نظام جديد للمنطق واللغة وكل وسائل التواصل التي يستخدمها الانسان
ولعل أهم ما لفت نظري في كتابه هذا هو ترديده لجملة مفادها هو أنه يستحيل علينا فهم شيء ما ونحن بداخله، وحتى نفهم أي شيء في هالدنيا مثل بيئتنا أو مشاعرنا أو غيرها لازم نسحب أنفسنا لخارج تلك البيئة حتى نراها على حقيقتها وطالما كنا منغمسين فيها مستحيل نفهمها وعشان كذا نحن لانرى مشاكل المنطق والعلوم واللغة.

ڤتچنشتاين ما حقق هدفه في حل كل مشاكل الفلسفة لكنه فتح الباب لمجال فلسفي جديد بسبب كتاباته، هذا المجال يدرس اللغة ويقيم فعاليتها وعيوبها كأداة تواصل ولذلك كثيرين يعتبروه واحد من أهم مؤثرين القرن العشرين.


ذكريات،أحلام وتأملات - كارل يونغ (1961)

 



على مر التاريخ، عباقرة كُثر وطئت أقدامهم أرض هذه البسيطة لكن قلة قليلة جدًا منهم راح يثيروا اهتمامك خارج مجالهم واختصاصهم.
كارل جوستاف يونغ واحد من القلة هذول دون شك.
ما أتوقع ان فيه شخص حاول يفكك ويغوص لقعر المتاهة المعقدة اللي نسميها إنسان مثل كارل يونغ، مستوى الـ Abstraction اللي أمتلكه هالرجل مختلف تمامًا عن ذاك اللي يملكه من هم مثلي ومثلك، حتى لو أنا وأنت كنا ننظر لنفس الشيء معه، سنجد أن رؤيته وتحليله لذاك الشيء-بالمقارنة برؤيتنا-دائما في بُعد أخر أبعد حتى من أن تفهمها أو تستوعبها عقولنا.

كارل-وهنا أنا أقتبس جوردان بيترسون-مش بس ينبهك على أجوبة لـ أسئلة أنت ما تعرف اجاباتها لا، بل ينبهك على أسئلة ما عمرك فكرت تسألها أو حتى تتخيلها وهنا تكمن عبقريته.
سيرته الذاتية لحالها صعب تتكرر وأجزم أنها تحتاج لحياتين أو أكثر حتى يستطيع شخص عادي أن يكررها فهل من المعقول أن يتمكن شخص من دراسة تاريخ الخيمياء والفلسفة والمسيحية وعلم الأساطير والطب ويهتم بعلم الآثار والأحياء والأدب ومن ثم يكتب أعمال أغلبها كان ثوري في مجال علم النفس وفوقها تأثيرها تعدى مجاله ليمتد ويشمل علوم الآثار والانسان والأدب والفلسفة والأديان وضف على ذلك قدرته على التحدث بلغات عده مثل الألمانية والانجليزيه واللاتينية القديمة واليونانية القديمة وبعض من الفرنسية هذا بدون ذكر براعته في الرسم والنحت وبلاغته في الكتابة والوصف! باختصار موسوعة ومكتبة بشرية.

كتابه هذا بمثابة سيرة ذاتية جزئية، لأنه كتب نصفه والنصف الأخر تكفلت به مساعدته التي لعبت دور المدون بحكم أن عمر يونغ وقتها كان فوق الثمانين وما يسمح له بالجلوس والكتابة، عمومًا في الكتاب يوثق يونغ تجاربه وحياته وماتبقى من تفاصيل في ذاكرته، فيه يتكلم عن نشأته وسنواته الدراسية والجامعية وفترته كطبيب ويختمه بمقتطفات عن الأماكن التي زارها ومدى تأثيرها عليه وعلى أفكاره.
وطبعا كالعادة يخصص فصول خاصة لكل من فرويد والأحلام والعقل اللاواعي.

بالنسبة لي أعتقد أن فرويد ويونغ راح يبقوا خالدين لسبب واحد بس وهو أنهم كانوا أول من أقتحم سراديب النفس البشرية.
فرويد أكتشف السرداب وكارل يونغ فتش داخله وتعمق وعاش فيه..
يونغ للمرة مليون تكلم عن سبب إختلافه مع فرويد، الإختلاف اللي أنهى علاقاتهم تمامًا.

أول أختلاف بينهم كان عن ماهية الأحلام والذي سبق وتكلمت عنه في مراجعة سابقة، بإختصار فرويد يشوف الحلم كرسالة تحمل معنى خفي من اللاواعي لـ الواعي بمعنى أنه يعتقد أن الحلم ورسالته يمثلوا رغبة مكبوته بداخلنا إيش سبب الكبت؟ فرويد يجاوب أنه جنسي بحت ولما أقول جنسي فأنا لا أقصد الجانب الجسدي والمادي للكلمة بل العاطفي والمعنوي أيضا.
بينما يونغ يقول أن الحلم وإن كان رسالة لكنه مش شرط يكون رغبة، ومش شرط معناه يكون خفي وقد يكون تحذير أو تنبيه أو رؤيا مستقبلية ويقول أيضا أنه لاينفي كون الجنس عامل مهم جدًا وأنه قد يكون سبب من أسباب تكون الحلم لكن هذا لايعني انه العامل الوحيد بل هناك أسباب روحية عاطفية وظروف محيطية وتاريخية تؤثر على الحلم وماهيته.
فرويد أعتبر اللاوعي سرداب، يونغ أعتبره سرداب وتحته سراديب.
ختامًا يونغ في أخر صفحة عرج شوي للحب ومفهومه والحقيقة أنه صدمني لما أعتبره لغز لايملك له إجابة
شخص أفنى كل حياته وهو يبحث في النفس الإنسانية وكتب مجلدات لاتعد ولاتحصى فيها ومع ذلك قبل كم سنة من وفاته وبعمر ال82 وفي الصفحة الأخيرة من كتاب يفترض أن يحمل عُصارة فكره وتجربته يقول أنه ما لقى تفسير للمعجزة اللي نسميها حب.
Make of that what you will :)

إذا فيه شيء واحد تعلمته من يونغ فهو هذا:
النقص والعيوب والشر اللي نشوفه في غيرنا هو مجرد انعكاس لما في دواخلنا لا أكثر، أصلح ما بداخلك وسيزول الانعكاس هذا وستبدأ تنظر للبشر ونفسك بمنظور مختلف تمامًا.