عالم جديد شجاع - ألدوس هكسلي (1932)

 


طوال فترة قراءتي للرواية وجدت نفسي لا إراديًا أفكر في نص يقع في الفصل الثامن لرواية دوستويفسكي مذكرات قبو/العالم السفلي، النص الذي أقصده هو النص الذي يعلن فيه فيدور أن "الناس ليسوا مفاتيح بيانو 🎹" هذا النص رافقني وتردد في بالي كثيرًا لأني أعتقد أنه يلخص الرواية هذه خير تلخيص وهذا جزء بسيط من عبقرية دوستويفسكي الرجل الذي في بضعة أسطر يستطيع أن يقول ما يقوله غيره في رواية كاملة.
عمومًا نرجع لموضوعنا الرئيسي فنحن اليوم لسنا في عالم دوستويفسكي السفلي بل في العالم الجديد الشجاع الذي خلقه السيد هكسلي.
ألدوس هكسلي كاتبنا لهذا اليوم في روايته الدوستوبية هذه خلق عالمًا مستقبليًا سوداويًا يعتقد أننا كبشر سنعيشه يومًا ما ولا أعتقد أن خياله ذهب بعيدًا فكثير من الأشياء التي ذكرها حدثت بالفعل ولازالت تحدث.
العالم الذي تخيله السيد هكسلي سبق وان حذر منه كتاب كثر كدوستويفسكي ونيتشه وسولجنيتسن وجورج أورويل وكارل يونغ وغيرهم الكثير..

تخيل نفسك في عالم متقدم تكنولوجيًا لدرجةٍ تجعل حياة الفرد-ظاهريًا- في أرقى وأبهى صورها، عالم لا حزن و لا تعاسة فيه، عالم جميع أفراده منتجين وبدونهم تنميته لا يمكن أن تكون مستدامة. على الورق هذا العالم يبدو مثاليًا لكن ما أن تفتش بداخله حتى تكتشف أنه مبني على كوارث لا يمكن أن تتقبلها النفس البشرية أو ترضاها، فما قيمة السعادة اذا كنت تحصل عليها فقط بسبب المخدرات؟ وما قيمتك أنت كإنسان اذا علمت أنك مجرد رقم فائدته تنتهي اذا انتهت انتاجيته وما قيمة الراحة النفسية الناتجة من إنعدام الأواصر الانسانية والعاطفية؟ والأهم ما قيمة التطور والتقدم بدون حرية التفكير وطعم المرارة والألم والمعاناة؟ هذا هو العالم الذي عاشته شخصيات ألدوس هكسلي، عالم مادي لا روحانية فيه يشابه كثيرًا عالمنا الرأسمالي الجشع. شخصيات العمل لم تعرف الحزن يومًا نعم لكنها كذلك لا تعرف معنى كلمة أحبك ولا تعرف معنى كلمة معاناة وتجهل غايتها وأهمية وجودها في هذه الحياة..
الحقيقة أن هذا العالم لا يصف عالمنا الرأسمالي فقط بل حتى ذاك القائم على النظام الشمولي الذي حاول قادته على مر التاريخ صنع عالم مثالي يشبه عالم الرواية، فمن منا ينسى مرسوم البلاشفة- لينين وجماعته- "سلام، أرض وخبز" الذي كان بداية الثورة الروسية في مطلع القرن العشرين، واللي طبعًا ما يحتاج نتذكر كيف كانت نهايتها، البلاشفة ليسوا الوحيدين فهتلر 🇩🇪 و موسيليني 🇮🇹 و فرانكو 🇪🇸 و ماو 🇨🇳 جميعهم أرادوا خلق عالم مثالي يشبه هذا الذي تخيله السيد هكسلي وجميعم فشلوا طبعًا وعواقب أفعالهم كانت كارثية و مأساوية ليش؟ لأن "الناس ليست مفاتيح بيانو" كما قال العراب دوستويفسكي.
اللهث وراء السعادة كهدف أبدي يعني أنك تجهل أبجديات النفس البشرية التي لطالما كانت ولازالت وستبقى دائمًا تبحث عن شيءٍ يتعداها شيء لا يمكن للإطار الضيق المسمى سعادة أن يحتويه.



No comments:

Post a Comment