شرق عدن: جون ستاينبك (1952)

 


اذا بتقرأ جملة واحدة من هذه المراجعة الطويلة فأقرأ هذه: لا تقرأ مراجعتي الركيكة هذه بل اذهب وأقتنِ الكتاب لأنه عبارة عن تحفة أدبية من وجهة نظري.

شرق عدن فيه كل ما يميز وكل ما أحب في العمل
الروائي، فيه أجد السبب الذي يجعل الكتب كـmedium أو حاوية لسرد القصص أفضل من أي ميديم أخر.
شرق عدن عمل ضخم فيه من المحاور والمواضيع والشخصيات ما يكفي لكتابة مقالة تتعدى العشرين صفحة لذلك لا يمكنني أن أفيه حقه ببضعة كلمات ومع ذلك سأحاول.

٠ مابين تقلبات الزمن وحنين الماضي ظلال الحاضر وأحلام المستقبل :

السيد ستاينبك كتب هذا العمل وبباله طفليه اللي أعمارهم وقتها ٦ و ٤ سنوات، ستاينبك خلال عمله هذا حاول ينقل صورة عن وادي ساليناس في كاليفورنيا المكان الذي تقع فيه أحداث القصة والمكان الذي نشأ وعاش فيه جون ستاينبك الصغير، طريقة وصف جون لمدينته وكمية المشاعر والحنين التي يحملها كل حرف من حروفه تجاهها مستحيل ما تخترق أعماقك، معه ستشعر بمعنى أن تقف تحت سماء وادي ساليناس ونجومها وستعرف جبالها الشاهقة ورياحها العاتية ومحلاتها وسكانها، ستعرف جانبها المضيء والمظلم وستقف وتمر بينهما وليس هذا فقط بل أنك بنهاية العمل ستجد نفسك تشعر بحنين لتلك الأماكن التي وصفها جون في بداية العمل والسبب في ذلك يكمن في عبقرية جون وأسلوب كتابته و تصويره الفذ والبارع للحقيقة الكونية التي نعرفها جميعًا والتي تقول أن سُنة هذه الحياة هي التغيير.
ستجد نفسك في بداية العمل في أواخر القرن ال١٩ مع عائلتي هاميلتون و تراسك وستتبع حياتهم وحياة ابنائهم وأحفادهم حتى مطلع عشرينات القرن العشرين وطوال هذه الفترة الزمنية ستعيش تاريخ تلك الحقبة وسترى شخصيات العمل تكبر معك وستجد نفسك في نهاية الرواية تتعاطف مثلا مع سامويل هاميلتون الكهل- في أخر الرواية- والذي كان شابًا يافعًا في بدايتها وستشعر بكل حرف يقوله وهو يتذكر ماضيه و ستحن لذلك الماضي كما لو أنك كنت جزءًا منه. ستشعر بذاك الحنين النابع من كلماته لأنك عشت ماضيه معه كقارئ!
وهنا أعود لنقطتي في بداية المراجعة، لا يمكن لعمل تلفازي أو سينمائي أو مسرحي ان يقتبس أو يخلق قصة تعطيك نفس البعد النفسي و الروحي مثل تلك التي تجدها بين الكتب وحتى وان حاولت تلك الافلام والمسلسلات والمسرحيات وخلقت نفس الشعور، حدته لن تكون كتلك التي تجدها بين الكتب، مستحيل.

• طبيعة الخير والشر في النفس البشرية وصراعها الروحي معهما:
أول ما قرأت عنوان الرواية توقعت وجود سمة او theme ذات طابع ديني فـ eadn المذكورة في العنوان هي عدن وفي القرآن والبايبل عدن عبارة عن جنة وهي المكان الذي عاش فيه قابيل وهابيل وآدم وحواء.
جون يتخذ من قصة قابيل وهابيل قالبًا يبني عليه أحداث قصته وشخصياتها وتقدر تقلل من الكتب الدينية المقدسة وحتى تقدر ما تؤمن فيها عادي، لكن لا يمكنك أبدًا أن تنكر القوة المرعبة والرهيبة التي تمتلكها القصص التي سُردت فيها، القصص التي بأبعادها النفسية انبثقت منها أعمال أدبية عظيمة وخالدة خصوصًا عند الغرب، بطريقةٍ ما و من منظور أدبيٍ بحت، الكتب الدينية تشكل الروايات الأولى في تاريخ الانسان ما بعد البدائي وهي أم الأعمال الأدبية التي تلتها.

عمومًا قصة قابيل وهابيل تجسد الصراع ما بين الخير والشر في النفس البشرية و جون في عمله هذا يقول أن كل الأعمال الادبية والفنية وكل تاريخ البشر في جوهره عبارة عن قصة واحدة فقط، قصة تشابه قصة قابيل وهابيل، قصة تتحدث عن الخير والشر ومكانتهما في الروح والنفس البشرية، العديد من شخصيات العمل كانت رمادية وتتمايل ما بين الخير والشر بإستثناء شخصيتي كاثي- التي جسدت الشر المطلق-وشخصية أدم-التي جسدت الخير المطلق- والمفارقة ان الشخصيتين عانتا الأمرين طوال العمل وكأن رسالة جون هنا تقول أن التطرف في الخير تمامًا كالتطرف في الشر لا يمكن أن يقودك للخلاص النفسي الذي تبحث عنه وهنا أجدني مجبرًا للعودة لمقولة عالم النفس الكبير كارل يونغ لما قال
‏ “I would rather be whole than good”
تغافلك و قمعك للجانب المظلم من شخصيتك أو اعتقادك بعدم وجود جانب مظلم فيك-وهذه مصيبة-واستمرارك في تغذية فكرة أنك إنسان جيد وصالح فقط وأن والشر كله موجود في اعدائك وحواليك لكنه لا يمكن أن يكون فيك عبارة عن كارثة لا تلغي وجود ذلك الجانب المظلم فيك..
تصالحك مع ذلك الجانب ومحاولة ضبطه واستشعار مسؤوليتك تجاه نفسك وغيرك ومعرفتك بالعواقب الوخيمة التي ستنتج اذا ما التهمك الجانب ذاك هو ما يقربك كإنسان من الخلاص الروحي وهو ما يجعلك whole بنظر كارل يونغ وبنظرة جون ستاينبك في العمل هذا فكل شخصيات العمل وجدت خلاصها الروحي عندما بدأت أولًا في ادراك جانبها البشع والمظلم ومن ثم بمساعدة اما افراد العائلة أو الاصدقاء أو شريك الحياة وكأنها رسالة أخرى من جون تقول أن الطريق للنور لا يمكن الوصول اليه بدون الحب الذي يأتي من أقرب الناس لك، وان ادراكك لكل شيء سلبي و ايجابي فيك لا يكفي دون يد صديق وقلب حبيب وحضن عائلة.
العمل حقيقة يناقش محاور عدة لا يسعني التطرق لها هنا كالعائلة و أواصرها وتأثيرها السلبي(عائلة تراسك) والايجابي ( عائلة هاميلتون) كما أنه يقدم دراسة شاملة للوضع المجتمعي في أمريكا في تلك الحقبة من الزمن.
ختامًا وكما ذكرت شرق عدن في جوهره يرتكز على الصراع الروحي بين الخير والشر داخل النفس البشرية، العمل ناقش كل العوامل التي من شأنها أن ترجح كفة جانب على أخر، عوامل كالعائلة، الدين، المجتمع، السياسة، الفقر والغنى لكنه من البداية وحتى النهاية بقى يشدد ويكرر ويعيد مقولة واحدة: أننا جميعًا نملك قوة ورفاهية الاختيار. نعم ما في أحد يقدر يتحكم بظروفه وقدره لكن حون يعتقد أننا كلنا، كلنا بدون استثناء نملك " الخيار" في التحكم بردة فعلنا تجاه القدر والظروف وكل أمر حياتي أخر، وعلى قولته الشر يبحث دائمًا عن وجوه يرتديها وارواح يلتهمها لكن الخير؟ الخير خالد، ثابت لا يتغير لا يلتهم ولا يموت.


No comments:

Post a Comment