1Q84:هاروكي موراكامي-الأجزاء الثلاثة (2009)



أربع سنوات هي ما أستغرقه موراكامي لكتابة هذا العمل والنتيجة عبارة عن ١٢٠٠ صفحة وعالم موازي للعام ١٩٨٤ أسماه موراكامي 1Q84.
اذا كنت تتسائل عن معنى العنوان فهو مجرد تلاعب لفظي لا أكثر لأن الرقم ٩ بالياباني يُنطق "كيو".
كل محب لموراكامي يعرف مدى إعجابه بروائيين روسيا العظماء كدوستويفسكي وتولستوي كما أنه معجب أيضا بأدب الجريمة والغموض الأمريكي(لدرجة أنه قام شخصيًا بترجمة أعمال رايموند تشاندلر لليابانية) أذكر هذه المعلومات هنا لأن أفكار هؤلاء وتأثيرهم على موراكامي كان جليًا في هذا العمل تحديدًا.

عالم الرواية الذي صنعه موراكامي في هذا العمل كان جميل. شخصيتان يربط بينهما لقاء حدث قبل عشرين سنة يجدان نفسيهما في عالم يشبه عالمهم الطبيعي تمامًا مع استثناء وحيد فقط وهو أن عالمهم الموازي هذا يملك قمرين، و مدري عنكم لكن عالم فيه بدل القمر قمرين كافي ليشد ويملك كل انتباهي.
موراكامي في هذه الرواية يناقش أفكار كثيرة جدًا منها تأثير الجماعات العقائدية التي تبدأ كفكرة بسيطة ومن ثم تتوسع وتتحول لمذهب فكري وأحيانًا لدين كامل يملك أتباع متعصبين ، كما أنه يناقش بعض القضايا الاجتماعية كالبيئة الأسرية ودورها وتأثيرها الكبير على حياة أفرادها.
الرواية بأحداثها وتقلباتها كانت جيدة، رتمها ونسقها- خاصةً في أول جزئين- يجعل حواسك دائما في قلب أحداث الرواية (أحببت كل حدث متعلق بالقمرين).. حتى الأحداث التي قادت الشخصيتان الرئيسيتان لبعضهما اتبعت تسلسل منطقي وسلس. ولكني لا أعد هذا العمل واحدًا من أفضل ما كتب موراكامي.

فيه عدة سلبيات تقلل من جودة العمل وتجعله بنظري أقل من أعمال كثيرة أخرى كتبها هاروكي (هذا العمل ما أعتبره توب ٥ حتى بالنسبة لي).
هذه السلبيات هي كالتالي ( تنبيه 🚨 فيه حرق للرواية ولرواية الجريمة والعقاب لدوستويفسكي)

١- جميع شخصيات الرواية الرئيسية والثانوية يجدون أنفسهم في مواقف تجبرهم على اتخاذ قرارت متعلقة بقضايا أخلاقية معقدة فنجد أومامه مثلا في بداية الرواية تعمل كقاتل متسلسل يقضي على أي رجل فاسد و مؤذي بنظرها من باب أن الغاية تبرر الوسيلة، تنغو هو الأخر نجده يقوم بتزوير وفبركة عمل روائي وتحريفه بالاضافة الى دخوله في علاقة حميمية مع امرأة متزوجة تؤدي بالنهايه الى ضياعها ودمارها.
يوشيكاوا التعيس-شخصيتي المفضلة- المحامي سابقًا يجد نفسه عميلًا وتابعًا لمنظمات العالم السفلي والمافيا.
موراكامي اراد أن يوصل فكرة أن كل هذه الشخصيات تتشابه في أنها تقوم بتصرفاتها تلك من باب ان الغاية تبرر الوسيلة، وجميعهم أشخاص عاديين وجيدين بماضٍ تعس وكل منهم ذاق وشرب من كأس الدنيا المر والغير عادل وهذا ما صنع شخوصهم الحاليين. كل هذا جميل لكن المشكلة كانت في عدم معالجة موراكامي لهذه المشاكل الاخلاقية التي طرحها هنا،
بل أنه حتى لم يجعل شخصياته تتصارع معها! قارن اومامي مثلا براسكولنيكوف شخصية دوستويفسكي الشهيرة التي أجزم أن موراكامي بنى اومامه عليها.
في الجريمة والعقاب نشوف التبعات النفسية الثقيلة جدًا جدًا التي عانى منها راسكولنيكوف بسبب قراراته بينما لا نجد الشيء نفسه مع اومامه التي نجدها تمارس حياة طبيعية رغم أنها قاتل متسلسل وبنهاية الرواية نجد أن كونها قاتلة متسلسة أصبح مهمل و ما كأنه كان موجود أصلًا.

المشكلة الثانية التي عانى منها العمل هي ضعف الشخصيات الرئيسية.. أبحث عن أي عمل روائي طويل ناجح وستجد أن أحد اسباب نجاحه وجود شخصيات تجبر القارىء على الاهتمام وتحافظ على اندماجه معها على مدار القصة..
تنغو و اومامه شخصيات عادية لا عمق لهما ولا حتى ملمس أو طعم او رائحة و ١٢٠٠ صفحة حِمل أثقل من أن يحملانه، حتى الشخصيات الثانوية مثل أوشيكاوا-اللي مستعد اقرا عمل كامل يتخذ منه شخصية رئيسية- وحارس الأرملة كانوا اكثر اثارة للاهتمام منهما لأنك تحس معهم أنهم مختلفين ولهم أبعاد مختلفة غير سطحية تتعدى ما يظهرانه أو يقولانه.
كشخص يحب موراكامي جدًا، بعد قراءتي لمعظم أعماله أكتشفت أن نقطة ضعفه الكبرى هي شخصياته الرئيسية، على مدى كل رواياته معظم أبطاله متشابهين لا فرق ولا صوت ولا ايقاع ولا نسق مختلف يفصل بينهم، كلهم نسخ لبعض باستثناء كافكا يمكن.

العامل الثالث الذي عانى منه العمل هو التمطيط، هذا العمل والقصة ما يحتاجوا ١٢٠٠ صفحة، موراكامي كان يقدر ينهي القصة بسهولة في ٨٠٠ صفحة لكنه ماطل كثيرًا.. حرفيًا الكتاب الثالث معظمه كان عبارة عن اعادة سرد ل أحداث صارت في الكتاب الأول والثاني.
كل هذه الاسباب تجعلني لا أضع العمل في قائمة أفضل ما قرأت لموراكامي ولكن هذا لا يعني أنه سيء أو لا يستحق القراءة بالعكس.

أخيرًا اذا كنت تبحث عن عمل شبيه بهذا لموراكامي فأنصحك بقراءة
‏ Hard-Boiled Wonderland and the End of the World
هذا العمل كتبه موراكامي عام ٩٤ ويشابه في سرده روايتنا هذه مع فارق أنه أقصر وأفضل.

No comments:

Post a Comment