أبدأ هذه المراجعة وأنا لا أدري كيف راح أنهيها، والسبب هو مشاعري المتضاربة تجاه ما قرأته فمن جهة وجدت العمل كقصة وأحداث ممل جدًا لدرجة ما أقدر أوصفها ولكن في نفس الوقت أعتقد أن الأفكار والمواضيع التي ناقشتها جين أوستن هنا مهمة ومثيرة للإهتمام وتستحق النقاش والكتابة عنها وحتى أسلوبها الكتابي كان مختلف ومميز، بين هذا الشعور وذاك أقف محتارًا ولا أعرف كيف أبدأ...
عمومًا، بغض النظر عن رأيي في العمل، كبرياء وتحامل يعد واحد من أشهر الأعمال الأدبية على مر التاريخ، عمر العمل تعدى الـ200 سنة خلالها تم بيع أكثر من عشرين مليون نسخة له وأيضا تم اقتباسه وتحويله لأفلام ومسلسلات ومسرحيات وقصص مصورة عديدة بمعنى أن العمل وجد طريقه لعددٍ هائلٍ جدًا جدًا من البشر وهذا دون شك يعطيه مكانةً أدبية رفيعة ولعل ما يساهم في بقاء العمل حيًا ليومنا هذا هو أفكاره التي لازالت الى اليوم ترتبط بنا وبحياتنا.
قبل ما أتكلم عن محتوى الرواية لازم أعرج لـ أسلوب جين الكتابي وطريقة وصفها الفريدة لشخصياتها شخصيات جين جميعها بلا تفاصيل و سِمات جسدية أي أنك كقارىء لن تعرف شيئًا عن هيئاتهم ولا عن طولهم أو ملامحهم ولا حتى لباسهم، كل ما عرفناه عنهم كان أسماؤهم وعوائلهم وثرواتهم وديونهم ولعل هذا يوضح مواطن تركيز الرواية التي كانت تتمحور حول الطبقات الاجتماعية والحسب والنسب وما تعنيه هاته الاشياء لمنظومة الزواج و للمجتمع الغربي في القرن الـ١٩
كل من يقرأ السطر الأول لعمل السيدة أوستن سيكتشف مباشرة أنه يتمحور حول الزواج والحب وما يرافقهما من تبعات واثار اجتماعية ونفسية خصوصًا على النساء، بداية العمل نتعرف على فتيات عائلة بينت الخمسة، العائلة ذات الدخل المتوسط التي تواجه خطر النزول للطبقة الكادحة والفقيرة بعد وفاة المعيل الوحيد وهو الأب، ومن البداية نجد أن جين تسلط الضوء على المشاكل النفسية التي تواجهها فتيات عائلة بينت الخمسة، مشاكل سببها مجتمع ينظر للمرأة بنظرة دونية ولا يعطيها حق الاستقلال لا المادي ولا النفسي.
كل هذه المعلومات قدمتها جين في أول الفصول حتى تبني أحداثها وتجهزها لنقاش الموضوع والفكرة الرئيسية للعمل، هذه الفكرة هي الزواج.
الظروف التي واجهتها بنات عائلة بينت الخمسة في بداية الرواية جعلت من الزواج الوسيلة الوحيدة لخلاصهن والسبيل الوحيد لحياة مستقبلية آمنة. وبهذه الطريقة كما قلت أدخلت جين الزواج كعنصر اساسي ومحوري تستند عليه القصة ومن ثم أمضت بقية الرواية توضح مشاكل منظومة الزواج في القرن الـ١٩-مشاكل تشبه تلك الموجودة في يومنا هذا- فأخذت تناقش وَهْم الاصل والفصل والحسب والنسب الذي يمنع زواج شخصين وكذلك الضغوطات التي تمارسها العائلة-خصوصا على بناتها- للزواج بفلان أو رفض علان لأنه ببساطة لا يتناسب معهم وكأنهم هم من سيتزوجوه لا إبنتهم لول!
معضلة الاختيار ما بين السعادة أو الأمان والاستقرار المادي، كانت أيضا نقطة من النقاط التي طرحتها جين من خلال شخصيتها ففي العمل نجد ان اليزابيث-الشخصية الرئيسية- في البداية ترفض السيد دارسي رفضًا قاطعًا رغم أنها تعلم يقينًا انه بزواجها به ستؤمن مستقبلها ومستقبل اولادها المادي.
وكأن جين هنا تقول أن الزواج عبارة عن قرار يجب اتخاذه بناءً على أشياء كثيرة أكبر من المادة، أشياء تتضمن العاطفة التي تنبع من انجذاب روحي وتوافق فكري لا جسدي و مادي.
هذا العمل أيضا ذكرني بمقولة
How little we know of others
"أحياناً أُفكر بأن قلوب الناس مِثل الآبار العميقة ، لا أحد يستطيع أن يعرف ما في داخلها، كُل ما يُمكنك فعله هو أن تتخيل- مافي اسفلها- بناءً على مايطفو على السطح كُل فترة"
إقتباس هاروكي موراكامي أعلاه يصف شخصيات هذه الرواية، على مدى الصفحات ستجد أن الشخصيات وما يظهروه للعامة لا يعكس صورتهم الحقيقية أبدًا وهذه حقيقة نعرفها جميعنا لكننا في نفس الوقت نتناسها فتجدنا نبالغ ونضخم قدرتنا على فهم الشخص رغم أننا غالبًا نبني انطباعاتنا عنه -في يومنا هذ- من خلال تغريدة ما او تصرف ما وساعات من خلال مظهره! أي أننا نعتقد أننا نعرف ما بدواخل الناس بناءً على معلومات سطحية تطفو للعلن.
هذا الشيء هو نفسه ما مرت فيه شخصيتا العمل الرئيسيتان اليزابيث ودارسي، اليزابيث وقعت في فخ السطحية ذاك فنجدها في بداية العمل تكره السيد دارسي و تمقته وترفض حتى فكرة أن تحسن الظن فيه لأنه يظهر للعامة بمظهر لا يعكس داخله أبدا ولأنها لم تسمع منه بل سمعت عنه.
وكذلك دارسي الذي كان كبريائه هو الأخر وفخره الأعمى بأصله وحسبه ونسبه يمنعه من الحديث مع من هم أصغر قيمةً ونسبًا منه لأنه يعتقد أنهم ببساطة اقل منه.
"تحامل" اليزابيث و "كبرياء" دارسي جعل كل واحد منهم يختزل الأخر في بُعد واحد فقط لا يحكم عليه الا من خلاله، هذا الفعل جعل كل واحد منهما خجِلًا من نفسه في نهاية الرواية لأنهما اكتشفا أن كل منهما يحب الأخر ويتوافق معه في الاراء والافكار وان كل الاحكام المسبقة التي أطلقها كل واحد منهم عن الأخر كانت عبارة عن أوهام صنعتها أفكارهما ومخيلاتهما.
ختامًا وكما ذكرت بالبداية أعتقد أن محتوى العمل نفسه مُثري ودسم جدًا ومثير للاهتمام، مشكلتي الوحيدة كانت في طريقة عرض جين للمحتوى وسرده والذي وجدته ممل شخصيًا لا أكثر.
No comments:
Post a Comment